كتب حسين زلغوط في صحيفة "اللواء":
لن تدوم طويلاً متعة الاسترخاء التي حظي بها رئيس مجلس النواب نبيه بري بفعل عطلتي الفصح المجيد حيث امضى معظمها في دارته في المصيلح، اذ ان المنازلة الكبرى المنتظرة على جبهتي الحكومة والمعارضة النيابية والتي ستستمر ثلاثة ايام الاسبوع المقبل من شأنها ان تعيد رئيس المجلس الى الواقع السياسي المرير الذي حاول ولو لبعض الوقت الهروب منه، مكتفياً برصده عبر مكتبه الاعلامي وما تتناقله وسائل الاعلام التي يحرص على متابعتها ولو قهراً.
ستخوض الحكومة ايام الثلاثاء والاربعاء والخميس من الاسبوع المقبل تجربتها الاولى في الوقوف في قفص اتهام المعارضة التي تعكف على إعداد العدة لمواجهة هي بالنسبة اليها معركة تصفية حساب، حيث من المنتظر ان تكون اشبه بحرب «داحس والغبراء» التي نقرأ تفاصيلها في كتب الحكايات التاريخية.
وفي الوقت الذي تنكب فيه المعارضة على اعداد السيناريوهات وتوزيع الادوار في المعركة التي ينتظر ان تستخدم فيها الاسلحة الثقيلة والعابرة للحدود على المستوى السياسي، فإن الحكومة تقف في موقف لا تحسد عليه حيث «تضرب من بيت أبيها» وكانت الصفعة الكبرى ما جاء على لسان وزير المال محمد الصفدي الذي وزع سهامه النارية والحادة باتجاه رأس هذه الحكومة نجيب ميقاتي من دون ان يوفر كذلك وزيري داخليتها واقتصادها، اضف الى ذلك بعض الانتقادات التي تتعرض لها حتى من داخلها والمحيطين بها بشكل يجعل موقفها بحاجة الى «شدشدة» على مسرح المواجهة اللهم الا اذا نزل عقل الرحمن على مكوناتها بشكل يعيد المياه الى مجاريها وتحافظ على حد ادنى من تضامنها الذي من شأنها ان يقلل من خسائرها ويجنبها قساوة الرياح العاتية، فالحكومة ستجد نفسها امام امتحان عسير وهي ستجهد من اجل تجاوز هذا الامتحان او اقله الحد من الخسائر التي يتوقع ان تنجم عنه، سيما وان المعارضة ستضغط في كل الاتجاهات بهدف تهشيم صورة الحكومة التي تعرف مسبقاً ان العوامل السياسية الداخلية والاقليمية والدولية هي ليست في صالح العمل على اسقاطها، وستستفيد المعارضة بالتأكيد من النقل المباشر لوقائع الجلسة لتوظيف كباشها مع الحكومة في خانة شد عصب شارعها الذي يعيش يومياً كما شارع الموالاة اجواء التجاذبات والمناكفات والتراشق الكلامي من مختلف الاعيرة.
فالمعارضة شارفت على الانتهاء من وضع خطتها الهجومية التي ستباغت بها الحكومة على محاور متعددة من الملفات الطارئة والساخنة والمزمنة من بينها ما تعتبره الانتهاكات السورية على الحدود الشمالية والتي كان آخرها مقتل المصور في قناة «الجديد» علي شعبان، وكذلك محاولة اغتيال رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية» سمير جعجع والتداعيات التي كان من الممكن حصولها في ما لو نجحت هذه المحاولة على الوضع اللبناني من مختلف جوانبه، وستفتح المعارضة النار من هذا الباب على وزير الاتصالات على خلفية ملف «داتا» الاتصالات لجهة حجبها عن الاجهزة الامنية، وسيكون ملف الانفاق المالي مادة دسمة لدى المعارضة، وهي ستقاتل قتالاً شرساً على هذه الجهة التي تعتبرها محورية بالنسبة اليها، وستتهم المعارضة في هذا المجال الاكثرية بمحاولة ابتزاز رئيس الجمهورية برواتب العاملين في القطاع العام من اجل الضغط عليه لاصدار مشروع قانون الـ8900 مليار ليرة بمرسوم. ومن بين الاسلحة التي ستستخدمها المعارضة في وجه الحكومة ملف الكهرباء من باب البواخر المستأجرة، اضافة الى الارتفاع المضطرد لسعر صفيحة البنزين، وملف فساد المواد الغذائية والادوية، كما ان المعارضة ستقوم بحرب وقائية على خط قانون الانتخابات الجديد زائداً التعينات الادارية.
وإذا كانت المعارضة قد جمعت الاسلحة التي ستستخدمها في المعارك الضارية التي ستدور رحاها تحت قبة البرلمان حيث يتوقع ان يصل عدد طالبي الكلام الـ 70 نائبا في فترتي النهار والمساء، فإن الأكثرية لن تقف مكتوفة الايدي، وهي بدورها تجري اتصالات ومشاورات بغية تنسيق المواقف، وستعكف على عقد سلسلة لقاءات لوضع آلية موحدة للرد على حملة المعارضة، وهي اتفقت في ما بينها على عدم الانجرار الى اية عملية استفزازية مع الحرص على الرد على كل شاردة، وواردة حيال الملفات التي ستطرح من قبل الفريق الآخر من ضمن خطاب شامل يعكس تضامناً يصعب على الفريق الآخر ان يخرقه او يلعب على حباله، من دون ان يعني ذلك على الاطلاق التغاضي عن اي اخطاء ترتكبها الحكومة فلا مجال «للتبخير» في هكذا محطات وفق ما يؤكده مصدر في الاكثرية.
ويضيف المصدر في الاكثرية ان هذا لا يعني ترك الساحة للمعارضة لكي تسرح وتمرح فيها على هواها ووفق ما يخدم سياستها، فنحن لسنا ضد اي خطاب موضوعي من منطلق محاسبة الحكومة ومراقبة عملها، غير أننا سنواجه وسنرد على أي خطاب الهدف منه تسعير وتيرة التصعيد، واستحضار الخطاب الطائفي والمذهبي، إذ من غير الممكن أن نبقى مكتوفي الايدي حيال أية حملة تجني إن كانت علينا كأكثرية أو على الحكومة التي نحن من ضمن مكوناتها السياسية.
هذا المشهد الناري الذي سيجعل الرئيس بري يستخدم مطرقته مرات عدة بغية ضبط ايقاع الجلسة والنأي بها عن الانحراف عن مسارها التسويفي والديموقراطي والرقابي، لا ينتظر له ان يغير من المشهد السياسي العام، فجلسات مناقشة عامة انعقدت في أحلك الظروف السياسية ولن تستطع ان تغير قيد أنملة من الواقع السياسي القائم، وهذه الجلسة لن تكون من حيث النتائج مغايرة لما سبقها من جلسات مماثلة، فالمعارضة لن تصل الى حد طرح الثقة بأي وزير منفرداً او بالحكومة مجتمعة لأنها تدرك ان هذا التوجه لا يصب في صالحها، لان الاكثرية التي جاءت بهذه الحكومة ما تزال على حالها، خصوصا وان النائب وليد جنبلاط يرفق اي خطاب او اي موقف عابر للحدود بحرص شديد على البقاء في الحكومة وعدم التغريد خارج السرب الاكثري، وبذلك فلن يخرج اي فريق من البرلمان مهزوماً، فلا المعارضة ستطرح طرح الثقة بالحكومة ولا جردة الحساب والردود التي ستأتي على لسان رئيس الحكومة ستشفي غليل المعارضة، وبالتالي فما على الرأي العام الذي سيواكب الجلسة الماراثونية إلا ان يحكم إن كان باستطاعته الخروج من واقعه الطائفي والمذهبي الذي يمنعه من قراءة الامور ومشاهدة الوقائع على حقيقتها.