استشهد المصور علي شعبان ونجا بأعجوبة زميلاه المراسل حسين خريس والمصور عبد العظيم خياط الذي أصيب بجروح. لم تكن صدفة. ولم يكن الرصاص "أعمى أو طائشاً" بل كان رصاصاً يرى ملء عيونه. وعيون مطلقيه وأصابعهم. القى الزملاء في تلفزيون الجديد التحية على "الهجانة" وبعض أفراد الجيش السوري وأفصحوا عن هويتهم "نحن من تلفزيون الجديد". وظنوا ان هذا الإفصاح ضمان لهم، خصوصاً، وأن لا معارك حيث كانوا متواجدين ولا تبادل إطلاق نار. المنطقة اهدأ من "الجولان" (المكتظة بالمشاريع الاستيطانية الإسرائيلية). لا شيء، كما صرح الناجيان خريس وخياط، ولأن الغدر من شيمة هؤلاء فقد ردوا التحية على الشبان اللبنانيين الما وراء الحدود بأحسن منها، واعطر، وأزكى، وأصفى (تذكروا ماذا كان يفعل هؤلاء في لبنان على مدى أربعين عاماً ولن تُفاجأوا): رشقوهم بوابل من النيران، وصوبوا عليهم وعلى سياراتهم (التي تحمل شارة تلفزيون الجديد) بشكل همجي وبربري وحاقد وقمعي، (وهذا ما لم يفعلوا مثيله مع العدو المحتل الجولان منذ أربعين عاماًّ "فأمن اسرائيل (بما فيه الجولان) من أمن سوريا"… والعكس صحيح وأكثر! حتى الممانعة والمقاومة). أصابوا علي في قلبه. أصابه الهجانة والشبيحة في قلبه مباشرة، ليكون القتل اغتيالاً (والاغتيال من غيله: الغدر والمفاجأة).
زحف زميلاه، وحاولا انقاذه، لكن الرصاص المنهمرغزيراً شكّل جداراً وجبلاً بينهما وبينه. ما زال حياً. وكرر الزميلان المحاولة . لكن القتلة صنائع النظام القاتل ضاعفوا من نيرانهم. ما زال حياً. انه يتنفس. تمتم زميلاه: صرخ "آخ" فلنحاول ولو أُصبنا، فهذا الزميل الطيب، الجميل، الشفاف غالٍ على قلوبنا. هذا ما قاله لسان حالهما. لكن الشر أقوى. وبدأَ علي يشحب. يتكوم على نفسه. بدأت قواه تخور. بدا علي وكأنه في آخر أرماقه.
انبطح زميلاه وحاولا جره وانقاذه، عبثاً؛ كيف يمكن ان يخترقا هذا الجحيم من النار. لطآ بالسيارة، التي دخل إليها علي حين أصيب. اصابت السيارة، أكثر من 50 رصاصة. 50 رصاصة على أشخاص كانوا موجودين فيها أو يلطأون فيها، تعني اعدام الجميع. لم يكن يريد القتلة ان ينجو أحد. لا أحد. فليمت الجميع، فنحن، كما يفكر الهجانة والشبيحة، وُجدنا لكي نقتل، مهنتنا من مهنة نظامنا: القتل! وبلا رحمة، عيوننا كعيون قادتنا من معدن، قلوبنا تشبه رصاصنا وبنادقنا، ومتى كان للرصاص قلوب! فلنُعدم هؤلاء الشهود. لا نريد شهوداًَ. لا بصورة. ولا بكاميرا. ولا بمصورين. ولا بصوت. ولا بكلام. ولا بمراسلين. ولا بصحافيين. فقد علّمنا "البعث" العظيم الذي نحتفل بعيده ان نحّدد اعداءَنا. ونحن نعرف ان النظام حرّم علينا رشق أي جندي اسرائيلي بوردة. في الجولان أو خارج الجولان. ألم يقل بعض "من في النظام" أمن جارتنا إسرائيل من أمن وطننا المفدى سوريا! إذاً العدو ليس اسرائيل! بل هنا! وفي لبنان. وتل كلخ. والبقاع. والشمال. ودير الزور. وحلب. وحماه وإدلب. وحي بابا عمرو. هؤلاء هم الإرهابيون الذين يهددون "الوطن" فلُنجهزْ عليهم: "سدّدْ جيداً" قال احد الهجانة لآخر مثله. إِعتَبِرْهم زجاجات فارغة، بل اقل. حجارةً. بل أقل مجردَ ملابس. بل أقل. آلات. كاميرات. لا تفرق بينهم وبين كاميراتهم. لا تفرق بينهم وبين السيارة. وباب السيارة. وحديد السيارة. وعجلاتها. وهكذا استمر "ابطال الجولان" يرسمون حدوداً جديدة بنيراهم. والنيران لا تعرف الحدود. ألبنانية أم غير لبنانية. استمر الزميلان في الزحف. الرصاص من كل الجهات حولهم. استمرا. علي ينزف وحده. آه! ربما تذكر امه في تلك اللحظة. نَزَفَت امه معه. ربما وَدَّ لو تكون أمه قربه. على الأقل كان ودَّعها. كان رأى وجهها للمرة الأخيرة. امسك يديها. قبلّها. بدمه. بشحوبه بكل لحظة مُوَلّية. وحده: كيف ينهار العالم كله فجأة. اما زالوا يطلقون النار؟ وتساءل علي: وماذا فعلت لهم؟ غامت السماء كلها على جسمه. تلاشت في عينيه. صغرت الشمس الكبيرة. تلك الشمس التي كانت كبيرة ذات يوم في عينيه. اكبر من السماء. مثل أحلامه. مثل عروسه التي كان سيقترن بها بعد أيام. تأخر علي عن عرسه. تأخر كثيراً. وعروسه تنتظره. وما زالت. المهم الانتظار. لكن الانتظار. صار أبعد من دمه النازف من جروحه. ومن أنينه. ومن وحدته الأخيرة. ربما ومضت في ذاكرته ما رأت عيناه في مخيم نهر البارد. عندما كان يتبارى وكاميرته على التقاط لحظات الموت. هنا. وهل يختلف رصاص نهر البارد عن هذا الرصاص الذي أصابه. وقد يكون تذكر 7 أيار. أف! كل هذه الحروب من يصنعها؟ وهؤلاء الناس لماذا يُقتلون. بل يُقصفون في عز شبابهم! انت، علي في عز شبابك. عريس شبابك. كل شيء أمامك، لماذا عليهم أن يقطعوا الزمن بهذه الطريقة عليك. الزمن الحي. يقطعون الزمن الحي بأيديهم الميتة. جنرالات الموت. والفجيعة. علي وحده. لم يتبق شيء لينزف معه. لم يتبق شيء ليراه. لم يتبق شيء ليسمعه. ابتعد العالم كله عنه. حتى حواسه بدأت تنفد. حتى ملابسه صارت غريبة عنه. حتى كاميرته صارت بلا يدين. ولا عينين. مرمية بكل ذكرياتها. حاول أن يتحرك. لكن عبثاً. بل نسي كيف يمكن أن يتحرك. قال ربما اصرخ. لكن صوته صار في مكان آخر في السيارة. او قربها. أو على مسافة منها. ما أفجع الموت قرب سيارة. قرب كاميرا. قرب الحجارة. هكذا في الهواء الطلق، مكشوفاً على الأبدية. شيء مخيف، العزلة الأخيرة. لكنها أم علي لا بد أن تأتي. أمي الوحيدة القادرة على المجيء. كالمعجزة. أوليست الأمهات معجزات؟ فلتكن: أنفاسه تقطعت كأسمال. كأوقات مُبهمة. كغيوم توقفت فجأة عن العبور. العبور. إلى أين؟ باكراً. باكراً. يا علي! لم أتجاوز الثلاثين. "العمر كلو قدامك" "الحياة كلها قدامك". ربما قالتها أمه. وكثيراً وهي تحتضنه. او تداعب شعره. قد يكون تَفَقَّد جسمه. لكن أين هو هذا الجسم الذي كان يتدفق بالصباحات والعافية والنضارة والصفاء والحيوية والخصب. هذا علي. نَفَذَت السماء فوقه. والأرض والتراب والنجيع. أغمض عينيه كثيراً حاول ربما أن يتمسك بالحياة لكنها أفلَتَتْ منه. حاول أن يتمسك بالهواء. لكن الهواء بات بلا أصابع. وبلا رحمة. حاول أن يبكي. لكن متى كانت الدموع الأخيرة تُعين، أو حتى تسيل. توقف الدمع في عينيه. وفي يديه. (والدمع يسقط أحياناً من اليدين الحزينتين) وفي فمه. (والدمع يسقط أحياناً من الشفتين). انها اللحظات البطيئة. الأخيرة. ربما تمتم "قولوا لأمي "رصاص من قتلني؟ يا أبي" "أي يد اغتالتني؟ أي فأس قطعتني؟ لماذا؟ ومن يقتل غير القتلة؟ القتلة المحترفين. والقتلة بالفطرة. لا شيء بات يجدي. فقط. شمس كبيرة ضمته. ضَمَّته. وغاب في أشعتها. هكذا افضل الموت في أشعة الشمس. الموت في حضن الشمس. وانطفأ كل شيء فيه. ما عدا انه فتح الشمس للمرة الأخيرة واغلقت أبوابها عليه.
لحظات جامدة. حول جسمه. زميلاه ما زالا يزحفان. وسط النيران والرصاص. رفيقاه. وصاحباه. نجيا. واحدهما جرح. والآخر لم يصب. وبأعجوبة انهم الهجانة وحدهم كانوا أحياء في تلك الساحة. من وراء الحدود الملغاة. الهجانة الذين انتعشوا بالقتل وشكروا الله على نعّمِه!
علي غارق في دمه. رفيقان مفجوعان. زاحفان. هاربان من موت دام محقق. المشهد: الهجانة الذين لم يجدوا شيئاً يسرقونه، عندها، سوى حياة علي. الهجانة المغتبطون ببطولاتهم. المحتفلون بانتصارهم على علي. علي الأعزل، حتى من دمه. على الأعزل حتى من كاميرته. تماماً كالشبيحة المنتشرين في ادلب وحمص وحماة ودير الزور… هنا وهناك وهنالك المشهد واحد. ألوف "علي" شعبان يقتلهم الشبيحة. وهم "يمجدون الخالق" على نِعَمِه. علي زين الشباب في كل مدينة من مدن سوريا. في كل دسكرة. وفي كل بيت. وفي كل شارع. وام علي التي رأيناها تتفجع على ابنها، بالدمع، والحرقة، والألم، والنحيب، موجودة مثل وحيدها علي في كل دسكرة من دساكر القلب، من دساكر سوريا.. وفي كل مدينة. الأمهات الثكالى بالألوف.. والدموع بلا أعداد. والآهات أطول من السماء. انها ام علي شعبان. هذه السيدة الكريمة المفجوعة. فقدت ابنها، وبعيداً ومقتولاً ووحيداً كألوف الأمهات السوريات. (وقبلهن كألوف الأمهات اللبنانيات والفلسطينيات اللواتي خطفت أولادهن منهن… امثال هذه الشبيحة!). رأيت أم علي في التلفزيون. علي البهّي. المشرق. ضمت الصورة وعميقاً. وبدمعها. وبأصابعها وبأنفاسها. لم تسمع أم علي كلام التعازي من أفواه امتلأت طويلاً بكلام القتلة، لم تسمع كلاماً سياسياً "أقبح من ذنب" لم تصغ إلى عبارات الأسف يتفوهها من ساهموا بقتل إبنها… لتواطئهم مع ذلك النظام. لا تريد ان تصغي إلى نفاق من جاء ليبرر. من باب التعزية. دعوني أنا وحبيبي ابني وحدنا. اريد ان اتنفَّس عينيه. اريد ان اتملى وجهه، كل هذا الكلام الآتي من كل الجهات، عاد لا يعنيني. ارجعوا الي ابني. صغرت الدنيا في عيني إم علي، تحولت إم علي صورة ترفعها امامها. ثم تضمها. ثم تشهق وكأنها ترسم ابنها من جديد بشهقاتها. ثم تشرق بالدمع. وكأنها تستعيد عيني علي. كيف تتحول أم كأم علي، وفي هذه اللحظة القاطعة إلى دمعة. دمعة. تصير هنا أصغر من دمعة تسيل على صورة علي. لكن أكبر من العالم كله بحنانها. ابكتني أم علي. ابكتني. والد علي متماسك قدر المستطاع. فالرجال يتماسكون. لكن على جبينه غيوم سوداء من الألم. من كلامه تنفر المأساة. من وراء هدوئه صراخ طويل. طويل. انها اللحظات التي تختلط فيها الأزمنة والأمكنة والأصوات والأجسام. اللحظات التراجيدية التي تتوحد فيها الأقدار، في غموضها. وجمودها وعزلاتها الكبرى: رَحَل من نعجز عن ارجاعه. الشرط الانساني الدائم. بل الشرط العبثي. رحل علي والدموع تقصِّر عن اللحاق به. والصراخ أوهنُ من ان يدركه. كيف يصير الموت فجأة اسرع من كل شيء. هذا السر المريب. كيف يمشي الموت كالنعوش اعلى من كل الرؤوس. والهامات. علي في نعشه محمولاً على الأكف. اكفّ زملائه في "تلفزيون الجديد". أكفّ أصدقائه وأهله وكل من تيسر له متعاطفاً ومتضامناً. انه يسير خلف النعش. الزهور كثرى والورود وماء الزهر والأصوات ايضاً. ومن قال ان الأصوات لا تنثر كالحقول على الأحبة فما بالك إذا كان شهيداً شهيداً أحب الحياة. وأحب ان يحيا وان يحب. وان يمشي في الشارع. وان يصور. وان يتزوج.. شهيداً في منتصف سمائه. علي, تماماً كألوف الشهداء في غزة. وفي ادلب (يا للمصادفة) ومن قبل في الجنوب وفي بيروت.. نتذكر محمد الدرة، آه! بالوحشية ذاتها. كيف تتشابه العيون المعدنية. كيف تتشابه الوحوش. ونتذكر حمزة الخطيب. الطفل. كيف يجمع القتل بين الطفل والشاب والعجوز والمرأة تماماً كما يجمع في صورة دموية واحدة القتلة. لا هوية للقاتل سوى القتل. لكن لم يكن لعلي شعبان ان يواجه. تماماً ككل المغدورين. لم يكن لعلي حتى ان يرى عيون قاتليه. ولا وجوههم. ولا حتى بنادقهم. اردوه من خلف. غدروا به. في عز جبنهم. وما اجبن من غادر ضربك في الظهر. لكن أم علي ومن تلك اللحظات العالية نظرت حولها وكأنها تريد ان ترى ابنها في كل هذه العيون التي تبكيه. ام علي قالت: علي افتدى كثيراً من زملائه. ومن غير زملائه. فهو شهيد. لكن علي اكثر من شهيد "مهنة" و"واجب"… انه شهيد بلد كامل مستباح. منتهك. مُذل. وأكثر: بلا حدود. فأي بلد هذا يخجل من يدعي حمايته، من قوى أمنية، ورسمية، ومن حملة سلاح ان يرفع رأسه، ان يدين، أن يرد، أن يصرخ أن يقول: هذا هو لبنان، بلدي، ومن ينتهك حدوده، ينتهكْ سيادَته. ينتهك تاريخه، وأرضه، وناسه. هنا تعود أم علي إلى صورة ابنها، تتملاها، وهنا تطل اخواته الثلاث: كتلاً حية، حساسة، من الألم، فالهجانة قتلوا أخاهم الوحيد، الوحيد، علي. أف! مع هذا يتناهى إلى أسماع أم علي، وأخواته، ووالده، ان التحقيق في أيدي القضاء اللبناني! في أيدي العدالة، في أيدي الأجهزة الأمنية، مع هذا يتناهى إلى أسماع هؤلاء الذين يعرفون جيداً وجيداً من قتل عليا…. تصريحات الجبناء والعملاء… والمخبرين. تحيل الجريمة على التحقيق… هروباً من اتخاذ موقف من جرائم حليفهم… هروباً من ادانة واضحة لقتلة واضحين.. علي عرف من أمطره وابلاً من الرصاص.. علي وزميلاه يعرفون جيداً.. ان القتلة من هجانة نظام الهجانة. مرتكب المجازر في شعبه. سافح أكثر من 1000 طفل وأكثر من عشرة آلاف شهيد!
وهنا بالذات تلتقي الشهادتان شهادة علي على أرضه… وشهادة الثوار على أرضهم! فيا أم علي! صدّقي قلبك وقلب الأم لا يخطئ. صدقي عينيك. وصدقي في صورة علي… بكل ما اوتيت من حزن.. تري جيداً ماذا تقول لك عينا علي: تابعي نظرته جيداً.. جيداً تصلي الى الحقيقة الدامغة: حقيقة من اغتاله… من جعله شهيداً من شهداء هذا البلد الأبرار! نقول ذلك ونحن نعرفها ان لا شيء يفوق الفقدان. والموت. والأسى لا شيء يفوق كآبات الأمهات! فما بالك اذا كن امهات الشهداء!
فعزاؤنا من عزائك لكن حلمنا يا أم علي ان يكون عندنا من يقف ويطالب كلبناني، وكمواطن بالعدالة التي تقتص من هؤلاء المجرمين!