#adsense

محاولة اغتيال يقتضي إحالتها على المحكمة الدولية

حجم الخط

إذا عدتم للاغتيال السياسي تذكّروا بأنّ هناك عدالة دوليّة.
 نصّت الفقرة الأولى من المادة الأولى من الوثيقة المرفقة بالقرار 1757 الصادر عن مجلس الأمن بتاريخ 30/5/2007 المتعلّق بإنشاء محكمة خاصة بلبنان على الآتي:

"تنشأ محكمة خاصة للبنان لمقاضاة الأشخاص المسؤولين عن الهجوم الذي وقع في 14 شباط 2005… وإذا رأت المحكمة أنّ هجمات أخرى وقعت في لبنان في الفترة الممتدة بين 1 تشرين الأوّل 2004 و12 كانون الأوّل 2005 أو أيّ تاريخ لاحق يقرّره الطرفان ويوافق عليه مجلس الأمن، هي هجمات متلازمة وفقاً لمبادئ العدالة الجنائيّة وأنّ طبيعتها مماثلة لطبيعة وخطورة الهجوم الذي وقع في 14 شباط 2005، فإنّ المحكمة يكون لها اختصاص على الأشخاص المسؤولين عن تلك الهجمات. ويشمل هذا التلازم على سبيل المثال لا الحصر مجموعة العوامل التالية:

"القصد الجنائي (الدافع)، والغاية من وراء الهجمات، وصِفة الضحايا المستهدفين، ونمط الهجمات (أسلوب العمل) والجناة".

لقد كان مطلوباً لإنشاء هذه المحكمة موافقة السلطات الدستورية اللبنانية المختصّة لإقرار هذا الاتّفاق مع الأمم المتّحدة، أقلّه بالاستناد إلى ما كان قد اتّفق عليه في طاولة الحوار… إن لم نقل أنّ هذا الأمر يقتضيه واجب إحقاق الحقّ، إذ إنّه وفي قضايا مماثلة بقي القضاء اللبناني عاجزاً عن الفصل بها أو حتى اكتشاف الفاعلين.

وكلّنا يعلم أنّ ما كان مقدّراً له أن يصدر بموجب اتّفاق عن طريق العملية الدستورية حالت دونه عقبات حقيقية كما أكّد هذا الأمر مجلس الأمن في حيثيات قراره 1757 ممّا دفعه وبموجب المادة الأولى من قراره المذكور إلى أن:

"يتصرّف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتّحدة ليعطي بموجب البند -أ- من هذه المادة قوّة تنفيذية لهذا الاتّفاق اعتباراً من 10/6/2007".

وعليه بات هذا القرار نافذاً من دون حاجة لأيّ دور تقوم به السلطات اللبنانية التي ترنّحت مواقف الفريق الذي يشكّل فيها أقلّية وأغلبية في آنٍ معاً !!! بين عرقلة قيام المحكمة لفترة من الزمن أو محاولة منع تسليم المتّهمين المطلوبين لصالحها، مستنداً في ذلك إلى فائض القوّة لكن من دون جدوى.

هكذا تكون مسألة إناطة صلاحية المحكمة الخاصة بلبنان بالنظر بأيّ جريمة تقع بعد 12/12/2005 مَنوطة فقط بالمحكمة الخاصة بلبنان شرط الحصول على موافقة مجلس الأمن وفقاً للمادة الأولى التي أشرنا إليها أعلاه، لأنّ الدولة اللبنانية لم يعد مطلوب موافقتها كونها لم تعد طرفاً في هذا الاتّفاق، إذ إنّ مجلس الأمن تصرّف بإرادة منفردة بموجب الفصل السابع كما سبق وذكرنا، وأمام كلّ ذلك يقتضي أن ترفع التحقيقات إلى المكتب التابع للمحكمة في لبنان سنداً لاتّفاق التعاون الموقّع من الحكومة اللبنانية ومكتب المدّعي العام لدى المحكمة وذلك في 17/6/2009 (من قِبل ما سمّي في حينها حكومة الوحدة الوطنية) ليقرّر إعلان صلاحيته من عدمها، وما يساعد على القول بأنّ هناك أسباباً ومبرّرات يقتضي معها أن يُحال هذا الملفّ إلى المحكمة وهي الآتية:

– توافر القصد الجنائي (أي الدافع) ذاته الذي كان متوافراً في سلسلة الهجمات التي طالت سلسلة من قادة 14 آذار.

– توافر الغاية من وراء هذه الهجمات من خلال الضغط على هذا الفريق السياسي ومناصريه، لحملهم على عدم مواجهة (سياسياً) الفريق المتضرّر من الدفاع عن مبادئ 14 آذار المتمثلة بقيام الدولة السيّدة الحرّة المستقلّة لا شريك لها خاصة في حمل السلاح، بل دولة ديمقراطية يحكمها القانون والنظام وليس جماعة مسلّحة.

– توافر الصِفة ذاتها في الضحيّة، أي الجهة المستهدفة، فالدكتور جعجع هو من قادة 14 آذار، هؤلاء القادة الذين كانوا وما زالوا مستهدفين ومعرّضين للاغتيال السياسي على ما بينته محاولة الاغتيال الأخيرة.

– نمط الهجمات وهو النمط ذاته المعتمد في اغتيال الوزير والنائب الشيخ بيار الجميّل، ولا يستقيم القول هنا إنّ الاغتيال بالرصاص هو غيره المرتكب بوسائل التفجير، لأنّ الفعل يعتبر من قبيل العمل الإرهابي ذاته، وهذا ما أُخِذَ في الاعتبار لدى اغتيال رئيس الوزراء الإيطالي بالرصاص "Aldo Moro".

– أمّا بالنسبة إلى صِفة الجناة فهم أنفسهم مهما تعدّدت الأدوات والجهات المستخدمة لهذه الغاية، ويأتي تعدّد نمط الاغتيال لدى الجناة في سياق التضليل والتعمية (كقصّة أبو عدس مثلاً أو السلفيّين الحجّاج الذين سافروا إلى أوستراليا) لكنّ الجناة هم هم. أمّا بالنسبة إلى ما صدر من تحقيقات أوّلية عن الجهة المنفّذة التي يُحكى عنها أنّها تألّفت من ستة إلى تسعة أشخاص على الأقلّ في مجال التنفيذ الميداني، فهذا العدد مشابه لعدد المجموعة التي شاركت في جريمة اغتيال الوزير بيار الجمَيّل، وكذلك الرئيس الحريري، ممّا ينزع عن هذا الفعل صفة العمل الفردي عن الجهة التي تقف وراء الاغتيال التي تشكّل جماعة إجراميّة مسلّحة.

أمّا عن الفارق الزمني بين الهجمات التي أجرى فيها مكتب التحقيقات الذي نقلت صلاحيته إلى المحكمة الخاصة بلبنان، فإنّ هذا العامل ليس من شأنه أن ينزع صلاحيّة المحكمة التي كما ذكرنا نصّت "على أيّ تاريخ لاحق .." طالما أنّ أسباب الاغتيال لا تزال هي هي. وما يبرّر أكثر وأكثر وجوب الإحالة السؤال الآتي: ماذا لو تمكّنت المجموعة المولجة بتنفيذ اغتيال الدكتور جعجع من تحقيق مآربها، أي اغتيال الدكتور جعجع فعلاً لا سمح الله، فهل كنّا توحّدنا على ضرورة الإحالة ؟؟؟

وعليه، طالما الغاية الجرميّة وصِفة الضحايا والجناة هي ذاتها فإنّ الإحالة أمر ضروريّ لكي لا يعتقد القاتل أنّ إحقاق الحقّ في هذا المجال أمر مستبعد، وليتذكّر أنّ الاغتيال السياسي يقابله عدالة دوليّة مسارها آخذٌ في الترسّخ حتى في هذا الشرق البعيد، وليأخذوا أقلّه سيف الإسلام عبرة لمن اعتبر.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل