#adsense

“المستقبل”: “يا مال”…الصفدي

حجم الخط

كتبت صحيفة "المستقبل":

من راقب مقابلة وزير المال محمد الصفدي ليل اول من أمس، وسمع بتمعّن مواقفه يتيقّن أن التركيبة القائمة في السلطة ليس فيها أفضل من نوعية هذا الوزير، اللهم إن لم يكن هو "وجه السحارة" فيها. ومن فسّر كلامه عن طريقة تعاطيه في إدارة وزارة المال بدءاً بآلية الصرف مروراً بمسألة الرواتب والأجور، وصولاً الى رسائلة التهديدية التي لم توفر حتى رئيس الجمهورية إن لم يمش المسؤولون في مشاريعه من قوننة صرف مبلغ الـ8900 مليار ليرة التي أنفقها بطريقة غير قانونية، وإنتهاء بمشروع إستئجار بواخر الكهرباء وغيرها، يدرك أن الحكومة تسير بسرعة إنحدارية مخيفة لا تهدد مصيرها فحسب، إنما تأخذ معها عامة اللبنانيين الى الهاوية.

طبعاً لم تعد مشكلة الحكومة الحالية مع المعارضة التي تصوّب على أخطائها وتعدّ لمحاسبتها أمام المجلس النيابي، إنما مشكلتها بداخلها ومع ذاتها. فهذه السلطة المؤلفة من فريق الممانعة في لبنان، لم يعد أعضاؤها قادرين على التعايش مع بعضهم البعض، لأن ما جمعهم تحت سقف واحد ليس المصلحة الوطنية العليا ومصلحة اللبنانيين، إنما مصلحة أسيادهم خارج الحدود، وأطماعهم الذاتية القائمة على اقتسام المغانم في صفقات المازوت والكهرباء والمشاريع والتعيينات والسمسرات والمحسوبيات، بإنتظار المعركة الكبرى التي بدأت تطل برأسها وهي قضية التنقيب عن النفط. ويمكن القول ان الصفدي هو النموذج الأكثر تعبيراً عن تشوهات هذه التركيبة. فالوزير الذي ساقته الصدفة الى المقعد النيابي والحقائب الوزارية، لا يزال يتفنن في أساليب الإنقلابات، والقفز من ضفة الى أخرى كلّما وجد في ذلك مكسباً سياسياً أو مادياً، أو كلّما غرر به أحد وضرب له على وتره الحساس وحلمه الدائم الذي تحوّل الى مرض لديه، وهو الوصول الى رئاسة الحكومة.

والمفارقة العجيبة والمخجلة في آن، في حديث معالي الوزير الذي طالما قدّم نفسه على أنه المحسن الكريم والرجل الذي لا تدري شماله ما أنفقت يمينه، أنه أطلّ ليمنن الطرابلسيين بأنه ينفق عليهم مبلغ 13 مليون دولار سنوياً، وهو رقم مشكوك في صدقيته، لا سيما وأن مفاعيله لم تظهر على أرض الواقع.

ويبدو أن بعض مكونات الحكومة ضاق ذرعاً بنجيب ميقاتي، ومنه على سبيل المثال الفريق العوني مدعوماً بقوة إسناد مخفية من "حزب الله"، لم يجد أفضل من الساعي الدائم الى الكرسي الثالثة ليلوح به لميقاتي، علّه يوقع على صفقات وزرائه ويمرر لهم مشروع بواخر الكهرباء وخطوط التوتر العالي ومشاريع السدود التي تدرّ له مكاسب خيالية، مستغلّين الوقت المناسب في ما تبقى من عمر حكومتهم هذه، قبل أن يطرأ تطور إقليمي أو دولي يجعلها في خبر كان.

وإذا كان من حق الوزير أي وزير آخر، أن يناقش في الملفات التي تخص وزارته، فإن ما أقدم عليه وزير المال الحالي، لجهة التهويل على رئيس الجمهورية وتهديده بعدم دفع رواتب الموظفين وأجورهم في القطاع العام، ما لم يوقّع له على مشروع قانون الـ 8900 مليار ليرة، يعرضه للمساءلة ويفرض على الدولة طرح الثقة به، اللهم اذا كانت هناك دولة ومؤسسات دستورية تأخذ دورها الطبيعي.

وبإنتظار ان تتكشّف الخلفيات التي تدفع بالصفدي الى عرض عضلاته، وتحدّيه رئيسي الجمهورية والحكومة، فإن الوضع الإقتصادي والمالي والخدماتي في البلد آخذ بالمزيد من التراجع. وأمام بروز العنتريات الصفدية المفاجئة، سألت أوساط سياسية متابعة "ما علاقة تمرير مشروع قانون الـ8900 مليار ليرة برواتب الموظفين؟ ولماذا يلقي وزير المال لقمة عيش الموظفين وأسرهم في أتون الخلافات السياسية وأحلامه الرئاسية؟، وما دام يرهن لقمة عيش الموظفين بمشروعه المالي والسياسي، فلماذا يعيب الآن على حكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي كان جزءاً منها أنها صرفت الـ11 ملياراً من دون قانون أو موازنة؟، وهل يعني أنه كان يفترض بالرئيس السنيورة أن يتوقف عن دفع الرواتب ويقلع عن الصرف على المشاريع التعليمية والإستشفائية ويتوقف عن دعم الكهرباء لأن الصرف من خارج القانون؟ وما دام الصفدي ينفّذ اليوم إيحاءات فريق الثامن من آذار الذي إنضم اليه منذ سنة ونصف، فلماذا لا يسأل فريقه الجديد عن أسباب إقفال المجلس النيابي لأكثر من سنة ونصف، ويمتنع عن تسلّم مشاريع قوانين الموازنات وغيرها؟ ولماذا يرسل هذا الوزير حالياً تعميماً الى الوزارات الأخرى ويحذرها من الصرف خارج قواعد موازنة العام 2005، فيما هو يصرف في وزارته على هواه من دون التقيّد بالضوابط التي يطلبها من غيره؟ وهل بلغت مسامعه أن زملاءه الوزراء باتوا لا يفهمون عليه، بإستثناء من يستخدمونه لهذه الغاية؟".

ونصحت المصادر الصفدي بأن يكفّ عن بطولاته الوهمية، وأن ينتبه الى أن من يستخدمه اليوم كورقة ضغط، سيحرقه في أول مقايضة جديدة، وسيقدم رأسه كبش فداء على مذبح تقاسم الحصص كما فعل معلّمه الجديد ميشال عون مع الوزير شربل نحاس، لا سيما وأن الصفدي الذي يصول ويجول ليست لديه قاعدة شعبية تحمي رأسه عند تغيير المعادلات، وبالتالي سيكون واحداً ممن ألقاهم غباؤهم على رصيف التاريخ، ولن تنفعه عندها ساعة حين مندم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل