كتب علي النون في "المستقبل":
لم تكن حكومة الانقلاب إلاّ واحدة من أكبر خطايا فريق الممانعة ويُراد للناس أن يظنّوا انها أكبر إنجازاته.
لم تكن الخطيئة الأولى ولن تكون الأخيرة. النهج الذي يحكم أداء صنّاعها سبق وأن أُنزل بلبنان واللبنانيين والآن السوريين كوارث وبلايا ومصائب ارتدّت على الجميع في الإجمال، وتركت بصمات ندم لا تمحى.. إلاّ بمحاولة افتعال ما هو أسوأ منها.
يحاول قادة "حزب الله" وحدهم دون سائر خلق الله، وحتى دون سائر مكوّنات التركيبة الانقلابية الحكومية ذاتها، ان يقولوا ان ما حصل ويحصل في لبنان في ظل هذه الحكومة، وتحت رعايتهم المباشرة، إنما هو أمر طبيعي…بل وأكثر من ذلك، يحاولون أن يبيعوا الناس الكوارث باعتبارها إنجازات مشهودة: أداء سياسي مبتذل زاد ابتذاله بتشريع المحاصصة على المكشوف. تسابق على "الهبش" من المال العام يُسمّى في قاموس الممانعة "محاربة فساد". فشل مدّو في كل شأن إنمائي حيوي من المحروقات الى الكهرباء. مزايدات رخيصة في تقديم حجج الدفاع عن السلطة الأسدية. تسابق محموم وبلا أخلاق على الطعن في الظهر والبطن بين حلفاء مفترضين ورفاق درب الانقلاب. أمن داشر وسائب وكارثي تمطّى ليصل الى كل منطقة لبنانية. فتك بالقوانين ومقومات الدستور لم يسبق له مثيل حتى في أمرّ لحظات الحرب وخراب الدولة وتشليع مؤسساتها من أصغر واحدة الى أكبر واحدة. فضائح غذائية ودوائية وتزويرية لا تليق إلا بالدول الفاشلة والمجتمعات البدائية.. ومع كل ذلك، يأتي قادة "حزب الله" بمطالعات مضحكة تتحدث عن الحكومة باعتبارها عنواناً مجلجلاً لانتصار عزّ نظيره على الصهاينة والأميركيين ومن لفّ لفهم وتلحّف بردائهم؟
أداء لا يفاجئ. جذره كامن في مدوّنة سلوك و"مبادئ" اعتمدها ويعتمدها الحزب الحديدي في كل صغيرة وكبيرة: لا تهم التفاصيل والاكلاف، إنما المهم مراكمة أوراق النفوذ والقوة وشعارات الانتصارات الالهية. هكذا مثلاً، لا تهم عمالة فايز كرم لإسرائيل، المهم استمرار "التحالف" المكين مع ميشال عون لانه دفرسوار متين في جسم عصي. ولا تهم سقطات وبلوات الحكومة، المهم أن تستمر لانها أنهت سيطرة "14 آذار" وتيار "المستقبل" وأبعدت الرئيس سعد الحريري عن الحكم، وعوّضت الخسارة المفضوحة في الانتخابات.. وقبل ذلك، لا يهم مدى الدمار الذي لحق بلبنان واللبنانيين عموماً والجنوبيين خصوصاً جرّاء حرب تموز، المهم ان يُعلن الانتصار بأي ثمن. ولا يهم فوق كل ذلك وأخطر من كل ذلك، الدقّ على الوتر الفتنوي الإسلامي، وتمزيق اللحاف العريض الذي يغطّي تحت سقفه التعارضات الهامشية لمصلحة المشتركات الأساسية، المهم أن يصل المشروع الامبراطوري الى أهدافه وأي أهداف ومرام وتطلعات تلك..
يوماً بعد يوم، يضيع الرجاء في إمكانية اقتراب أهل تلك المدوّنة وذلك الأداء من باب المنطق والأحكام السوية، وتضيع معه آمال تفتح العيون وانبثاق رؤى للاتعاظ من خبريات التاريخ اللبناني الحديث.. ولا يبقى بعد ذلك، إلاّ عدّ الأيام الفاصلة بيننا وبين الخطيئة الجديدة، التي سيسميها "حزب الله" إنجازاً لا يُجادل، من دون شك.