يبدو البحر المتوسط في التاريخ بضفة واحدة وحضارتين، ولكن الجغرافيا تحتم أن يكون بضفتين وحضارة واحدة، فهذا الإقليم الجغرافي الممتد حول المتوسط يتمتع بمناخ واحد يلقي بتأثيرات واضحة ومحددة على الاقتصاد والموارد وأسلوب الحياة والثقافة… والفكاهة أيضاً، وقد أدهشني أن الأعشاب التي كنت أظنها تنتمي فقط إلى قريتي المعزولة في وسط الجبال وتبدو علاقتها بالكرة الأرضية وكأنها معلقة بها بحبل تقدم في الموائد والمطاعم الفرنسية بالذوق والمزاج نفسهما.
ثمة الكثير من الأسباب والمعطيات التي تشجع على القول إن دول حوض البحر الأبيض المتوسط لا تملك خياراً سوى العمل باعتبارها إقليماً واحداً، فالتحديات والصراعات القائمة لم تنشأ إلا في غياب البعد الإقليمي ولا حلّ لها إلا برؤيتها ضمن إقليم، التلوث والمخدرات والجريمة المنظمة وغسيل الأموال والإتجار بالبشر والقرصنة وتحديات الإنترنت والإرهاب والرشوة المصاحبة للاستثمار والفساد والهجرة والأوبئة؛ كلها تعمل وتنشط وتنظم وتدار وفق رؤية إقليمية، ولا يمكن مواجهتها وحلها إلا في منظومة إقليمية، والمصالح والأسواق والأعمال والحماية المدنية ومواجهة الكوارث؛ لا تزدهر ولا تنظم أيضاً إلا في ظل تعاون إقليمي وشبكة واحدة من القوانين والبنى والمرافق، والصراعات القائمة مثل الصراع العربي – الإسرائيلي، واليوناني – التركي؛ تبدو ممكنة التسوية أو التعايش أو الاستيعاب في ظل منطقة ومصالح وأسواق واحدة!
بالطبع يمكن أن نجد في التاريخ والوقائع الجارية ما يجعل كل ما قيل بعيداً من التحقق، أو حلماً أو خيالاً، فقد خاضت ضفتا المتوسط في صراعات طويلة ومعقدة، وتبادلتا عدم الثقة والكراهية، ويمكن أن نجد أدلة صحيحة وواقعية تؤكد أن شمال المتوسط لا يرى في جنوبه سوى سوق لمنتجاته وملحق له أو منطقة نفوذ، ولا يتوقع من دوله سوى مساعدته في منع الهجرة إليه، وكانت العلاقات في المتوسط عمودية بين الشمال والجنوب، شبكية متقدمة بين أجزاء الشمال، مفككة وبدائية بين أجزاء الجنوب، ومن ثم فإن الجنوب لم يكن قادراً على توظيف العلاقة في نهضة اقتصادية وحضارية، ولم يكن قادراً على اقتباس النموذج الشمالي بكفاءة واقتدار، لأنه خطط له بالقوة أن يظل ضعيفاً مفككاً خاضعاً لنخبة مستبدة وفاسدة وفاشلة ومدعومة بقوة من الشمال.
ولكن يقال أيضاً إن التاريخ مراوغ، ويمنحك ما تشاء وما تريد من أدلة ووقائع صحيحة… ففي المقابل هناك صراعات شمالية – شمالية قاسية ومريرة بل وكارثية مدمرة، وهناك أيضاً تجارب عظيمة على مر العصور في التعاون السياسي والتجاري والثقافي والتبادل والتفاعل الحضاري بين الشمال والجنوب، وإنك تسمع وتقرأ لمفكرين وسياسيين شماليين تجد لديهم من الصداقة والحرص على مصالح الجنوب والشراكة والتعاون معهم مثل الجنوبيين أو أفضل!
وقد أثبت «الربيع العربي» أن الشمال مستعد للتعاون مع الجنوب بمقدار ما يساعد نفسه، وأظهر تضامناً كبيراً، ويمكن القول إن الموقف الشمالي المتضامن مع التطلعات العربية إلى الحرية والديموقراطية كان حاسماً وضرورياً لنجاحه، وما زلنا نعول على الشمال في اكتمال الربيع وحماية الشعوب من الاضطهاد والمجازر التي تمارسها بحق شعوبها بعض الأنظمة السياسية.
بالطبع لا يمكن إغفال التحيز الثقافي الشمالي، وكيف أنه تحمل شرق أوروبا بفقرها وتخلفها ولم يتحمل تركيا الأكثر غنى وتقدماً والأقرب سياسياً واقتصادياً إلى أوروبا، وأنه يفـضل أن يـدفـع ثمن الجـرائم المنظمة والفـساد الشـرق أوروبـي على المكاسب والمنافع المتأتية من الشراكة مــع تركيا، ولكن يقال أيـضاً إنـها مسألة سيـاسيـة بــحتـة وليـست ثقافية أو أيديولوجيـة، ففرنسا بخاصة تخاف من قوة تركيا وحضورها الكبير ومن صداقتها وتحالفها مع الولايات المتحدة.
وعلى أية حال، فقد منحنا «الربيع العربي» نافذة أو فسحة لمستقبل جديد نعمل فيه معاً، وربما يساعدني على المستوى الشخصي أن أصل الى البحر المتوسط الذي يبعد عن قريتي أقل من أربعين كيلومتراً ويصلني هواؤه برائحة السمك، ولكنني غير قادر على الوصول إليه… إنها من المرات النادرة والنحسة أن تكون للتاريخ وطأة مثل هذه على الجغرافيا.