#adsense

نسبية فاسدة

حجم الخط

هل من باب المصادفات أن يلتقي "حزب الله"، وحركة "أمل" وحزب الطاشناق و"الأخ" الجنرال على تأييد قانون النسبية بمجرد إطلاق فكرته؟ بالطبع لا. فما يجمع الثلاثة الأولين هو منطق المِحدلة الانتخابية، و"الصبّة" الواحدة، فيما يلاقيهم الأخير من شباك استفادته منهم، سواء في المتن الشمالي أو بعبدا أو جبيل، وحتى جزين، وهو ما يجعل الإصلاح السياسي المزعوم وسيلة لتحقيق الغلبة السياسية التي لم يوفرها "7 أيار"، ولا حكومة القول القاصرة عن أي عمل.

فكرة الانتخابات بنظام القائمة النسبية هي التصويت على البرامج والأحزاب، وليس الأشخاص. فيطرح كل حزب، أو مجموعة أحزاب متحالفة، أو حتى مجموعة من المستقلين، قوائم يصوت الناخبون لما يناسبهم منها. وتوزع مقاعد الدائرة على القوائم بشكل يتناسب مع الأصوات التي حصلت عليها. ويشترط عادة لمنح القائمة مقعداً حصولها على حد أدنى من الأصوات.

أهم مزايا هذا النظام هو عدالة التمثيل، وأنه يرتقي بالمعركة إلى التنافس بالبرامج والأفكار، ويقلل من دور المال وشراء الأصوات، ويتيح تمثيل الكفاءات وأصحاب الخبرات والفئات المهمشة كالنساء. لكن، هل هذه هي دوافع حماسة هذه القوى واندفاعها في تأييد النسبية؟

قد يكون وزير الداخلية "بريئا" في طرحه النسبية، ويعتقد أنها تخرج البلاد من أتون الطائفية. لكن ما فات هو أن الخروج الكبير من التفتت الوطني يقتضي ما هو أبعد، وما يصل إلى اتفاق على ما تعنيه الوطنية أولا. هل تكون، مثلا، بمجرد العداء لاسرائيل، أم هي قبل ذلك الحرص على الوطن في وجه كل معتد، وفي الطليعة اسرائيل. وهل يكون اللبناني شهيدا فقط إذا سقط برصاص العدو الاسرائيلي، ولا يكون كذلك إن أرداه رصاص غير لبناني، وليس اسرائيليا، ويعبر الحدود مثله؟ وهل السيادة الوطنية محط غيرة وقلق جنوبا، حيث العدو، وليس شرقا وشمالا، أيضا، حيث الأخ الشقيق، أيا يكن النظام الذي يدير شؤونه؟

ثم أن النسبية وجه من وجوه الاصلاح السياسي، لكنها ليست أساس بنيته التي لا تأتلف واستخدام بعض اللبنانيين السلاح وسيلة لفرض "ديموقراطية القوة" كلما عجز أمام "قوة الديموقراطية". ثم كيف ستحقق هذه النسبية العدالة في التمثيل فيما مُدّعو تأييدها يريدونها ليس في لبنان دائرة نفسها، بل في دوائر كبرى، هي ذاتها الدوائر التي يُسيرون فيها محادلهم، ويكتمون أنفاس منافسيهم بترهيبهم حينا، وترهيب وترغيب الناخب في كل حين.

سينتبه اللبنانيون أن النسبية، ولو صدق وزيرها، لم تكن إلا ملهاة، ربما من دون إرادة منه، لإشغالهم عن المشهد الرئيسي، تحمس لها المسؤولون عنه. إنه مشهد ملهاة الحكومة وبؤس المراوحة بين اللحوم الفاسدة والإدارة الفاسدة، والسماسرة الفاسدين، متناتشي الكهرباء والتعيينات.

المصدر:
النهار

خبر عاجل