#adsense

“الجمهورية”: هكذا قرّر سليمان أن يُحاسب الأكثرية

حجم الخط

كتب جورج شاهين في "الجمهورية": إختار رئيس الجمهورية أطول رحلاته الخارجيّة من بيروت إلى كانبيرا ليكون له الوقت الكافي ليكشف ما في القلب من مكنونات تختلج صدره من بعض الملفّات التي شغلت لبنان واللبنانيّين أخيراً، والتي استغلّها البعض لتوجيه الاتّهامات إليه زوراً. فكانت "الدردشة الجوّية" مع الإعلاميّين مناسبة ليقول كلاماً نهائيّا في ما يطالبه به البعض الذين استفاقوا فجأة على الصلاحيّات الرئاسية، بغيرة لا سابق لها، لإصدار المرسوم الخاص بالمليارات الـ 8900 بعد عجز الأكثرية الحكومية عن إقرارها، كما بالنسبة إلى اتّهامه بالسعي إلى "النأي بالنفس عن هذا الملفّ الماليّ الحسّاس سعياً إلى الإجماع الذي يحلم به من أجل تمديد ولايته الرئاسيّة" وصولاً إلى الإشارة إلى من عطّل قدرته على اختيار من يراه مؤهّلاً ليعيّن رئيسا لمجلس القضاء الأعلى.

ملفّان من ثلاثة

بداية لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الدردشة مع رئيس الجمهورية كانت مناسبة جيّدة لتوضيح موقفه – غير الملتبس أصلاً – من ملفّين من أصل ثلاثة هما التعيينات القضائية والتمديد والذي يمكن الإشارة إليه بالآتي:

– في الملفّ الأوّل، كان كافياً اللوم الذي وجّهه سليمان إلى من أعاق حتى اليوم تعيين من يقترحه ليكون رئيساً لمجلس القضاء الأعلى، فحمّل المسؤوليّة كاملة، ليس إلى مَن جاهر برفض تعيين من اقترحه للموقع فحسب، بل يمكن أن ينسحب هذا اللوم على كلّ الفريق الذي "انتصر سياسيّا" للعماد ميشال عون في إعاقة التعيين على رغم قناعة الفريق الأكثري بأنّ ما اقترحه رئيس الجمهورية هو الأنسب والأصحّ والأعدل في حال كان الهدف من التعيين في أعلى المواقع القضائيّة وأبرزها مستنداً إلى مضمون تقارير الهيئات الرقابية والأخذ برأيها لوضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

– أمّا بالنسبة إلى موضوع التمديد، فقد شكّل موقف رئيس الجمهورية ردّاً حاسماً على من وجّه إليه الاتّهام. فاكتفى بإعلان فهمه أنّ الربط مرفوض عنده بين الإيحاء بهذا السعي إلى التمديد وما أنتجه الربيع العربي من أجواء لا تدفع به ولا باللبنانيّين الى السير "نحو الحرب والعرب كلّهم راجعون منها". فكان جوابه واضحاً ونهائيّاً لا لبسَ فيه ولا يستدرج أحداً إلى النقاش فيه وخصوصاً عندما قال إنّه لن يقوم بأيّ خطوة سوى تلك التي يقول بها الدستور.

ولذلك يبقى التوقّف أمام كلام رئيس الجمهورية في ملفّ الـ 8900 مليار أمراً مفيداً للتوغّل في الظروف التي قادته إلى هذا الموقف غيرَ آبه بالملاحظات التحريضية التي لجأ اليها البعض لحَضِّه على ممارسة الصلاحيّة المتبقّية لديه كرئيس للجمهورية، كما قيل، لإصدار هذا المرسوم. علماً أنّ مثل هذه الدعوات تدلّل على اعتراف ضمنيّ صريح بعجز هذه الأكثرية الحكوميّة عن البتّ بالقانون المقصود في المؤسّسات الدستورية الأم أي في مجلس النوّاب، من دون توريط رئيس الجمهورية في خطوة يستدرجونه من خلالها إلى موقع لا يريده طالما إنّ المؤسّسات والمعابر الدستورية الإجبارية لإمرار القانون تدّعي القيام بكامل واجباتها.

سليمان يعرف صلاحيّاته

وعليه، فقد كان موقف رئيس الجمهورية مبنيّاً على دراسات وآراء دستورية قالت إنّ مطالبته بممارسة صلاحيّاته الدستورية ليست أمراً جديداً بالنسبة إليه. فهو يعرفها جيّداً ولم يكن يحتاج إلى النصح الذي استفاق ولجأ إليه البعض بطريقة دعائيّة وإعلانيّة، لا إعلاميّة ولا دستوريّة فحسب. وكلّ ما في الأمر أنّ إحالته السابقة لمشروع القانون إلى المجلس النيابي للبتّ به لم تلحظ الظروف والتعديلات التي أُقِرّت في لجنة المال والموازنة النيابيّة لاحقاً والتي وضعت تحت عنوان "التبنيد والتفنيد"، وأنّ استعادة القانون لإعادة طرحه من جديد بعد إعادة النظر في شكله ومضمونه ليست وسيلة دستورية سليمة.

ولذلك تقول المراجع المعنيّة إنّ موقف رئيس الجمهورية شكّل دعوة إلى الأكثرية الحكومية والنيابية، في حال لا تزال أكثرية كما تدّعي، لاتّباع الأصول الدستوريّة للبتّ بالقانون الجديد وتسيير أمور الحكومة والناس في آن.

شائعة… ومرّت

وتضيف هذه المراجع أنّ كلّ الجهود "غير البريئة" التي بذلت تارة من خلال دعوة البعض رئيس الجمهورية الى ممارسة صلاحيّاته قبل أن يجفّ حبر آرائهم المشكّكة في صلاحيّاته و"المواصفات المفقودة فيه" ومنعه من ممارستها في بعض النواحي، قد ذهبت هباء، خصوصاً عندما ظهر أنّ الحديث عن أنّ الموظّفين الحكوميّين لن يقبضوا رواتبهم نهاية الشهر الجاري هو مجرّد " شائعة … ومرت" ودعاية رخيصة وسخيفة لم تمرّ إلّا عند صانعيها ومسوّقيها باعتبار أنّ الدولة قائمة ولم تضمحلّ أو تتلاشَ بعد.

ولذلك كلّه بدا أنّ رئيس الجمهورية قد صمّم على محاكمة ومحاسبة هذه الأكثرية التي عليها أن تعمل ليل نهار للقيام بواجباتها الدستورية وإثبات جدارتها في إدارة شؤون البلاد، أمّا في حال العكس فالأصول الدستورية تدعوها إلى التنحّي بعد الاعتراف بالعجز عن القيام بواجباتها والاستقالة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل