منذ خروجه من السجن السياسي المظلم والظالم الذي أمضى فيه أحد عشر عاماً ، خرج الدكتور سمير جعجع من كل حقبة الحرب وقاموسها ورواسبها وطوى الصفحة الماضية وانخرط بشكل كامل ونهائي في العمل السياسي واختط لنفسه نهجاً جديداً قائماً على مبادىء الحرية والديمقراطية والحوار والانفتاح معلناً انتماءه إلى مشروع الدولة التي وحدها الضمانة والحماية ، ساعياً إلى بناء حزب يؤمن بالعمل السياسي الديمقراطي والبرلماني.
بامكانك ان تحب سمير جعجع أم لا ، بامكانك ان تؤيده أو تعارضه ، بامكانك ان لا تتفق معه سياسياً، لكن لا يمكن لأحد ان يقول ان سمير جعجع لم يلتزم طيلة السنوات السبع الماضية مبدأ النضال السياسي السلمي وبأنه لم يحد يوماً عن الاطار السياسي للصراعات والخلافات أيّاً تكن . وظل دائماً ممانعاً ورافضاً نقل الصراع إلى الشارع ملتزماً العمل السياسي سبيلاً للتعبير عن الرأي لا اكثر ولا أقل.
رغم هذا التحول الذي ثبت بالوجه الشرعي والدليل الحسي ، هناك من لا يزال يصر على التعاطي مع سمير جعجع " الماضي " أو سمير جعجع " الحرب " وعدم الاحتكام إلى المنطق والواقع ، وهناك من لا يزال يشد به إلى حيث لا يريد ان يكون ، وهناك ايضاً من لا يزال يرفض الاعتراف بسمير جعجع السياسي ويحاول جاهداً العودة به إلى زمن ولى وإلى حقبة انتهت مع نهاية الحرب ومع اتفاق الطائف الذي كان جعجع أحد أبرز صانعيه والمساهمين في تثبيته ليصبح لاحقاً من أول ضحاياه.
سمير جعجع مثل كثيرين ممن قاتلوا في الحرب ومن احزاب لبنانية مختلفة حمل السلاح دفاعاً عن قضية آمن بها وعن مبادىء اعتنقها واقتنع بها ، لكن والحق يقال والموضوعية تقول ان جعجع ليس مسؤولاً عن الحرب واسبابها ونتائجها ، عندما بدأت الحرب كان جعجع لا يزال طالباً في الجامعة الاميركية يتابع دراسته في الطب ومثل الكثيرين من الشباب رفض ان يكون وطنه وطناً بديلاً عن فلسطين ورفض مقولة طريق القدس تمر من جونيه ورفض تجاوزات الغرباء على ارضه وعدم احترامهم لسيادة واستقلال وطن استقبلهم وحضنهم فثار على هذا الواقع وحمل السلاح للدفاع عن وطنه ، اذن سمير جعجع ورث الحرب كما ورثها معظم الشباب اللبناني من طبقة سياسية فشلت في بناء وطن ، وكما كان جعجع في الحرب مدافعاً عن قضية اعتبرها كما كثيرين من رفاقه محقة ، فأنه بالزخم ذاته والقناعة الراسخة نفسها ساهم في توطيد دعائم السلم الاهلي بعدما خرج من معتقله وخرج معه أنصاره وجمهوره من الإطار الضيق إلى الافق الواسع متخطياً كل حواجز التعصب والتزمت والتقوقع والانغلاق. فلماذا اذن إصرار البعض على إعادته إلى الوراء وعلى إنكار دوره وموقعه وحقه في الوجود السياسي.
من منكم يا قادة الاحزاب والتيارات السياسية بلا ماضٍ أسود فليرجمه بحجر ، من منكم يا قادة الاحزاب والتيارات السياسية يداه ليستا ملطختين بالدماء فليرجمه "بصخرة ". كفى مكابرة وتوزيع شهادات بالوطنية فتاريخ كل واحد منكم معروف والناس يعرفون " البير وغطاه " ويعرفونكم حلة ونسباً وهناك قول كريم احفظوه جيداً ، فهو يقول " اذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا " فأما ان نطوي صفحة الحرب ولمرة واحدة واخيرة وأما فلتفتح الملفات كلها على مصراعيها من دون استثناء احد .
لماذا اصرار البعض على " نبش " الماضي للنيل من سمير جعجع وحده ؟ وهل في الحاضر ما يدينه وينال منه؟ ان ما يحصل اليوم هو رفض لاتفاق الطائف وهو علامة من علامات العجز السياسي وعدم القدرة على المواجهة ورفض قبول الآخر . فليكن معلوماً للجميع بأنه في لبنان لا يمكن لأحد ان يلغي أحداً ، هذه هي القاعدة "الذهبية" وقد اثبتت التجارب منذ العام 1943 وحتى اليوم صحة هذه المعادلة ، لذلك فأن إلغاء سمير جعجع أو غيره من السياسيين وإلى أي فريق سياسي انتمى وشطبه من المعادلة عبر الاغتيال والقتل وسياسة التصفيات الجسدية هو عمل مجرم ووحشي وغير انساني وهي علامة من علامات الإفلاس السياسي ورفض الحوار والمنطق وضيق الأفق وسعة المأزق …
اننا نترك للسلطات والاجهزة الامنية والقضائية اللبنانية ان تعمل عملها وتواصل تحقيقاتها في محاولة اغتيال الدكتور سمير جعجع ونترك للتحقيق ان يأخذ مجراه لكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات ومعاقبة الذين خططوا ونفذوا …
ولكن يمكن استباق نتائج التحقيق للقول ، أيّاً تكن النتائج وسواء كُشف عنها أو بقيت طي الكتمان ، فان العودة إلى الاغتيالات السياسية ممنوعة ومرفوضة بشدة ، لأنها عودة إلى الوراء وإلى زمن ولى، زمن حزين وأسود بأيامه وتاريخه ودموعه ودمائه . فالمطلوب اعتماد قواعد جديدة للعبة السياسية وللصراع الداخلي في لبنان قواعد ترفض كل اساليب العنف والاغتيال والتفجيرات .
عندما يحصل انتهاك فاضح لقواعد اللعبة على النحو الذي حصل مؤخراً في معراب ، فإن افضل رد على هذا الخرق الخطير وعلى هذا الانحراف في المسيرة والحياة السياسية هو التكاتف والتضامن والوحدة بين كل اللبنانيين مسلمين ومسيحيين (8 و 14 آذار) لوأد الفتنة في مهدها ولإحباط هذا المنحى قبل ان يتمادى ويصبح خطراً داهماً وواقعاً. هذه أمور وأحداث ومحاولات لا تؤخذ إلا على محمل الجد ولا يمكن التهاون معها والتقليل من شأنها والتعاطي معها بخفة واستخفاف ، وأنه لمن المؤسف حقاً ان يغلب على مواقف البعض الحقد والاستخفاف والتشكيك بدل التعاطف والتضامن والاستنكار وان يصل التعاطي السياسي إلى هذا المستوى المتدني بغض النظر عن التباين والخلاف في المواقف السياسية ، ومن المؤسف والمحزن ان تتقدم المصالح السياسية والشخصية على الاعتبارات الإنسانية والوطنية… فهل ان البعض مثل " توما " لا يصدقون إلا إذا رأوا " دماً "، وهل كانوا يريدون وينتظرون دماً يسيل حتى يصدقوا ان هناك محاولة جدية لزعزعة الاستقرار وتهديد السلم الاهلي والعودة بنا إلى زمن الإحباط والتخبط و الاغتيالات … هل كل المواقف التي صدرت عن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير الداخلية انتهاءً بالمراجع الامنية والقضائية هي فبركات ومن نسج الخيال ايضاً ؟
هذا الكلام موجه بشكل اساسي إلى السياسيين اللبنانيين عموماً والمسيحيين منهم خصوصاً علها تقلع عن اساليب الحقد والتشفي والانتقام ، وعلى السياسيين المسيحيين ان يتعظوا من تجارب مرّة لم يمر عليها الزمن بعد ، تجارب اثبتت ان "الثور الأسود" أكل حين أكل "الثور الأبيض" ، وأن اي استهداف يطال أي فريق مسيحي إلى اي فريق سياسي انتمى فإنما يطال المجموعة بأكملها واي عطب يلحق بعضو في الجسم إنما يصيب الجسم كله … فالمسيحيون ما عادوا يحتملون خسائر إضافية وتجارب جديدة . طالهم ما يكفي من استهدافات واغتيالات وخسروا ما يكفي من رجالات وسياسيين ، ومن غير الجائز ولا المقبول بعد تجارب ومعاناة ما بعد الطائف ان تظل القيادات المسيحية قابعة في ماضيها وعقدها وخلافاتها، وغافلة عما يجري من تحتها ومتربصة ببعضها البعض … وإذا كان هذا ما يدعو إلى الأسف ثمة ما يدعو إلى الأمل والتفاؤل ، لأن الوضع على مستوى النخب والقواعد الشعبية والرأي العام ليس على هذا القدر من السوء الذي نجده على المستوى السياسي… ثمة تصميم على ان زمن الإحباط ولى إلى غير رجعة ، ثمة إدراك لخطورة المرحلة وحجم التحديات … ثمة ثورة بيضاء صامتة ولكنها هادرة في دلالاتها ورسائلها إلى القيادات المسيحية التي اجتمعت يوماً تحت سقف بكركي، بأن تملأ المحبة قلوبهم والرجاحة عقولهم ، وان يكونوا معاً في الاوقات الصعبة والعصيبة ، وان ينصتوا إلى صوت الشعب قبل فوات الآوان …
فماذا يريد الشعب اللبناني ؟ الشعب يريد حكومة منتجة ومثمرة تشعر مع المواطن في هذه الظروف الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية الصعبة ، حكومة تسهر على الامن الغذائي والصحي والاجتماعي للمواطنين لا حكومة تراوح مكانها وتشدها خلافاتها إلى الوراء ويدفع المواطن المسكين وحده ثمن هذه الخلافات ، الشعب يريد وحدة لا تفرقة ومصالحات لا خلافات وتفاهم لا مماحكات… أما المسيحيون فماذا يريدون من سياسييهم تحديداً ؟ المسيحيون يريدون بكركي مرجعية وطنية ودينية مرجعية تكون موضع تقدير واحترام لدى كل القوى المسيحية من دون استثناء واي خلاف في الرأي السياسي يحل بالحوار وجهاً لوجه لا عبر وسائل الاعلام والرسائل غير المباشرة… المسيحيون يريدون مسؤولين يهتمون بمصالحهم وحقوقهم ويعملون لهم من اجل مستقبل افضل ، المسيحيون يريدون قانون انتخابات جديداً يكفل تمثيلاً صحيحاً وعادلاً ويشعر المسيحيين بالطمأنينة وبأنهم ليسوا في غبن وإجحاف ، قانون يعطيهم مناصفة عددية حقيقية لا مناصفة شكلية من دون مضمون سياسي وتوازن فعلي .
ما لا يريده المسيحيون هو العودة إلى تجارب ثبت فشلها وإلى خيارات ومشاريع ولّدت خيبة ، وإلى كلام ملوا سماعه وإلى اوضاع ومشاهد اعتقدوها انها اصبحت من الماضي…
إلى كل السياسيين أقول بكل احترام وتقدير … هكذا يجب ان يكون ، وهذا ما يريده الشعب والناس منكم.