تملي قواعد الخبث السياسي المسمى تهذيباً مناورة، رفضا مسبقا لقانون 1960 الانتخابي ولو تظلل بحلة قانون 2008 الساري المفعول حتى اشعار آخر. ولا نخال الهيصة المتصاعدة في طلائعها، حول نظام النسبية الا ملتحقة بتلك الحماسة المنقطعة النظير التي سبقت انتخابات 2009 وسيقت فيها اهازيج الاصلاح والتبجيل لمشروع الوزير السابق فؤاد بطرس ولجنته الشهيرة، ثم ما لبثت القواعد اياها ان استحضرت قانون 1960.
رب قائل ان استباق الامور من اليوم، هو ضرب من الاستعجال غير الحميد لان الكيمياء اللبنانية لا يؤتمن جانبها. وهو امر واقعي، لا جدل فيه، لو كانت النسبية تطرح فعلا في اتجاهين متلازمين وملزمين هما التحفيز على احياء الحوار والخطو بقوة وبلا اي لبس نحو الاصلاح الجذري. في الخانة الاولى يبدو لبنان مختنقا لفرط ما امعنت فيه القطيعة من عداوات بعد اكثر من سنة واربعة اشهر من تقويض آخر الجسور بين فريقي 8 آذار و14 آذار. وفي الخانة الثانية لا يقل لبنان جاهلية وتقهقرا عن اي بلد عربي تعصف به رياح التطرف والعصبية والاصولية مع تصاعد مذهبياته وطائفياته وتصحره وفساده.
تبعا لذلك سيشهد لبنان انقساما عموديا عريضا بين قانون 1960 وطرح النسبية، يماثل تماما انقسام معسكريه وسط انعدام قدرة اي مرجع، حتى رئاسة الجمهورية، على احياء حوار الضرورة الذي يمليه العد العكسي لهذا الاستحقاق. ثم ان حوارا مفترضا كهذا لن يلبث ان يسقط مجددا في دوامة المعادلة التي اسقطت كل جولاته السابقة لاصطدامها بالممنوع الثابت الدائم المتصل بمعضلة السلاح. وقد بلغ الامر حد الاستعصاء فيه يوم لم يكن ميزان القوى نقطة سؤال او جدل قبل اندلاع الازمة السورية، فكيف والحال الآن تنذر بزلزال داخلي اقله في حسابات كل القوى المتوثبة لتلقي المجهول – المعلوم الوافد مع تموجات الانهيار السوري المتدحرج؟
رب رهان وحيد اكتسى طابعا واقعيا مع التعويل على الحوار المسيحي – المسيحي، ولا تزال بعض مفاعيله قائمة مع استمرار "لجنة بكركي" وعدم حلها اسوة بالقطيعة التي ضربت العلاقة بين هذا الصرح وقوى 14 آذار. والحال ان المسيحيين يملكون فرصة نادرة في التقدم نحو مبادرة طليعية حقيقية في الاستحقاق الانتخابي على الاقل، لانهم قد يكونون "الكتلة" الطائفية الوحيدة المتحررة من ميزان القوى الذي يأسر الطوائف الاخرى بقوة. وهي فرصة ربما يفسح لهم الآخرون فيها لتولي حوار بالاصالة والوكالة عن انفسهم وعن الاخرين، بواقع تحالفاتهم وخصوماتهم سواء بسواء. ولكن الخشية من رهان عقيم عليهم ستبقى اقوى من اي مغامرة متسرعة لان تجاربهم لا تقل سوءاً عن كل ما سبق وما سيلحق.
