غيّر خصوم 14 آذار قواعد الاشتباك، فلم تجد هذه القوى للردّ على هذا التغيير إلّا بالنزول إلى قاعة البرلمان والعمل وفق القواعد التي لم يصدق نوّاب 14 آذار أنّها قد تغيّرت.
ومن خلال الحدود المرسومة لكلمات نوّاب 14 آذار بدا واضحاً أن لا قرار لدى القوى المؤثرة بوضع خطّة عملانية لإسقاط حكومة السيّد حسن نصرالله والرئيس بشّار الأسد، بل اتّجاه إلى التعامل معها تعامياً إراديّا على أنّها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي.
وإذا كان لكلّ من هذه القوى أسبابه في عدم الإقدام على فتح ورشة اسقاط الحكومة، فإنّ ذلك لن يعفي هذه القوى من استحقاقات آتية لا ينفع معها وضع الرأس في رمال أزمة المنطقة، والاختباء خلف الملفّ السوري للتذرّع بأنّ أوان رحيل الحكومة لم يحن بعد.
وعلى ما يبدو فإنّ محاولة اغتيال الدكتور سمير جعجع والانتهاك المستمرّ للحدود اللبنانية واغتيال علي شعبان ومحاولة اغتيال مصطفى جحا كلّها، لم تكن كافية، كي يشعر قادة 14 آذار أنّ شيئاً ما قد تغيّر، وأنّ استباق نتائج الثورة السوريّة لبنانيّاً من قبل حلفاء سوريا، يفترض أن تتمّ مواجهتها، بخطّة عمل تأخذ في الحسبان وجود قرار واضح بالإطاحة بآخر محاسن اتّفاق الدوحة بعد إسقاط حكومة سعد الحريري وهو وقف الاغتيالات، وتتمّ ترجمتها على الأقلّ بما فعله نوّاب البريستول بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري حين رفضوا القدوم الى مجلس النوّاب لمناقشة قانون الانتخاب، وعقدوا العزم، مع أنّهم كانوا أقلّية، على إسقاط الحكومة، فكان لهم مع من يمثّلون ما أرادوا، وفازوا ببداية صياغة ثورة حقّقت الكثير من الإنجازات، وإن قُدّر لها فيما بعد أن تتوقف في منتصف الطريق.
وإذا ما قيست محاولة اغتيال الدكتور جعجع بالأمس باغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005، فإنّ الفارق الوحيد في تقييم خطورة ما حدث هو أنّ اغتيال الأوّل أدّى إلى استشهاده فيما نجا الثاني من عملية تشبه الى حدّ بعيد كلّ عمليّات الاغتيال الكبرى التي نُفّذت في لبنان خلال الحرب الأهليّة وبعدها.
وتبعاً لذلك تصبح ردّة فعل جعجع المتّزنة على عملية اغتياله أشبه بردّة فعل الحريري الهادئة بعد أن استهدف قبل اغتياله بصواريخ وجّهت من دون احتراز لتلفزيون المستقبل، وتصبح ردّة فعله أيضاً أشبه بردّة فعل الحريري وجنبلاط معاً حين شاهد بأمّ العين رسالة واضحة لهذه تمثّلت في العام 2004 بمحاولة اغتيال مروان حمادة، ولم يحسب أيّ منهما بدقّة أنّ الرسالة التالية ستكون من نصيب الحريري نفسه.
من يراقب أداء نوّاب 14 آذار في المجلس النيابي يدرك أنّ هؤلاء لم يناقشوا إسقاط الحكومة، ويلاحظ أيضاً أنّهم ولعدم وجود قرار بخوض معركة استقالتها يتبادلون تنسيق المواقف والمحاور كأنّهم يصدقون أنّهم يمارسون معارضة برلمانية، داخل مجلس نوّاب يمكن أن يُحاط خلال دقائق بمظاهر مسلّحة وغير مسلّحة، قادرة أن تجعل منه مجرّد منبر لمباريات كلامية ومبارزات هي أشبه بهامش متاح تطلق فيه الخطب الرنّانة ويعرف مطلقوها أنّ غبار نتائجها لا تصمد لدقائق بعد انتهاء الجلسات الكلامية.
ولكي لا يتمّ تحميل نوّاب 14 آذار أكثر ممّا تتحمّل مسؤوليّاتهم الفعلية فإنّ من المجافاة للواقع القول بأنّهم يفتقرون الى حسن الأداء، فهم يعملون تحت سقف اللاقرار ويعرفون أنّ أيّاً من مكوّنات 14 آذار، خصوصاً الأساسية فيها ليست إلى الآن في وارد الدخول في معركة إسقاط الحكومة، فجزء من هذه القيادات ينتظر جثّة الخصم على ضفاف النهر، وجزء آخر يرى أن من المبكر العمل على إقالة الحكومة وخوض معركة الإتيان بحكومة محايدة تدير الانتخابات المقبلة، وجزء ثالث لا يعتبر أنّ الظرف الإقليمي جاهز لإنتاج مواكبة دوليّة وعربية لأيّ تغيير في لبنان.
بالانتظار فإنّ ردّ 14 آذار على تغيير قواعد اللعبة في لبنان سيبقى مرتهناً بمسار الملفّ السوري أملاً بأن يؤدّي التغيير في قواعد الاشتباك هناك إلى إعادة إرساء توازن فقدَ في لبنان منذ زمن بعيد.
