#adsense

ميناء النوارس

حجم الخط

 على مرّ السنين، كان في امكانك ان تصافح منفيا عربيا في عاصمة ما: عراقيون او سوريون في القاهرة الناصرية، صوماليون في روما، مغربيون في مدريد، سلاطين سابقون في لبنان، وطيف متنوع في جنيف: اثرياء اسكندرية السابقون، بقايا البورجوازية المصرية، وايضا اشهر اسماء الثورة الجزائرية.

عندما توفي احمد بن بله الاسبوع الماضي، تذكرت مشهدين لا يفارقان الذاكرة: الاول، يوم رأيته في القاهرة يتقدم صفوف الزعماء في المؤتمر الآسيوي – الافريقي عام 1964، نجما متألقا من نجوم الحرية والاستقلال في عالم الضعفاء والمستعبدين. والثاني يوم رأيته بعد نحو ربع قرن، في مطعم سويسري بسيط، مع رفيقين بسيطين، بعيدا من الجزائر التي ارتبط استقلالها باسمه أكثر من اي اسم آخر.

كانت لوحة عربية تقليدية تعرفها من الوانها من بعيد، كما تعرف ألوان سيزان. او بالاحرى تشويهات بيكاسو الذي رسم الاعماق الحانقة تحت الوجوه الجميلة. فالحقائق البشرية غير ما نرى. والحقائق العربية العياذ بالله. والسياسات العربية فظاظة اخوية دائمة، ودائما اقرب الرفاق هو الاكثر طعنا. بروتوس على عربي. يا لطيف.

لم اكن اشاهد بن بله فقط في مطاعم جنيف البسيطة، او في حديقة البحيرة، كان في امكانك ان تلقي التحية – باحترام وتقدير عارمين – على رفيقه في صناعة الثورة، حسين آيت احمد، او على احمد طالب الابرهيمي الذي تحول شعره اخيرا من الاسود اللماع على طريقة كلارك غيبل، الى الابيض التام، خاليا من شباب الماضي. في باريس، كان يمكنك – او في ابو ظبي – ان تحيّي عبد العزيز بوتفليقة، صاحب القول الشهير "انا اطول من نابليون بثلاث سنتيمترات"، بعنفوانه، بحدّته، ببريقه المتوقد حتى في اسوأ حالات المرض.

مرّ الزعماء العرب بالسجن والمنفى. وغالبا، ان لم يكن دائما، كان السجان عسكريا. قمت بزيارة الصادق المهدي في منزل صغير بسيط جنوب شرق لندن: لا شيء من أبهة رئاسة الوزارة الاولى بعد العودة من اوكسفورد. ما من كاميرا واحدة تلاحقه كما لاحقته كاميرات العالم في الامم المتحدة. لقد ابعده العسكريون، اولا جعفر نميري، الذي انتهى منفيا في منزل على طريق مطار القاهرة، ثم المشير عمر البشير، الذي لا نعرف ماذا يفعل الرفاق عندما ينتهي ربع قرنه في السلطة. وتجب الاشارة الى ان شريكه في التنكيل بالصادق، بين المنفى والسجون، كان صهر الصادق، الدكتور حسن الترابي خريج السوربون!

صورة الزعيم سجينا ومنفيا، مثل لوحة قاتمة بألوان غويا، كانت أكثر ألماً في سيرة ومسيرة احمد بن بله. هنا، مناضل مغربي الاصل، مؤهل في الجيش الفرنسي يتلقى وسام الشجاعة (الحرب العالمية الثانية) من شارل ديغول شخصيا، يقرر هو والرفاق استعادة الجزائر من فرنسيتها. احد الرفاق كان ساعي بريد، وأحدهم جندي آخر، مجموعة أبناء فلاحين، يقررون ان تحرير الجزائر هو مسؤوليتهم. وتاجهم.
كان ذلك في الزمن الكبير. كل مواطن مناضل.

تحول المؤهل احمد بن بله الى رمز، فخطفه الفرنسيون وسجنوه. ولما خرج، مثل مانديلا، انتخب رئيسا. لم تدم الرئاسة طويلا. بعد عامين، انقلب عليه العقيد هواري بومدين ورماه في السجن ثم في الاقامة الجبرية. ذات يوم جاءته صحافية تطلب مقابلة فقالت له امه: احمد، اطلب يدها. تزوجا وتبنيا ابنتين وابناً.

من الاقامة الجبرية الى المنفى، في ديار الله الواسعة. اهم اسم في التاريخ منذ عبد القادر الجزائري، امير السماح والرأفة في دمشق القرن التاسع عشر. شريد في الامم. ذابت اسماء ابطال ثورة المليون شهيد. اين اشهر سيدة في تلك الثورة؟ اين جميلة بوحيرد؟ شعرت كأنني اتحدث الى قديسة وانا اتناول العشاء معها في باريس قبل ثلاثة اعوام. ولكن لا قديسات في الاسلام. إلّا انه لم يخطر لي اي خاطر آخر، او اي انطباع آخر وهي تروي ان كل ما تفعله الآن هو زيارة حفيداتها في نيويورك: "بيش يا سيدي نعلّمهم القرآن. ما فيش مدارس عربية في نيويورك".

سجلت في سيرتي انني التقيت جميلة بو حيرد. مثل الشيب الذي مسح صورة احمد طالب الابرهيمي الا من بقايا بريق الماضي، هذه جميلة بوحيرد بلا شبه مع صورة الفتاة الماضية التي عُلقت في جدران البيوت وعلى مداخل المدارس، المناضلة صارت جدة الآن، نحيلة، بنية الشعر، منسية الا من احفادها، متواضعة، رضية في مهنتها الجديدة: تدريس القرآن في بيت ابنتها: "انتا تعرف يا خويا، ما فيش مدارس عربية في نيويورك. أنا تبنا نعلمو احفادي القرآن".
لا تنسى جميلة بوحيرد، مناضلة وقديسة. مهما تعلمت في العالم العربي، ان الجزء المتعلق بالنسيان في الذاكرة، هو الاكبر والاهم. تذكرت الجزائر احمد بن بله جثمانا يعلن عليه الحداد ثمانية ايام، بعدما كانت قد دفعته الى حارة النسيان منذ 1965. أبى صائب سلام وهو يمضي عاما بعد آخر في جنيف، ان يعتبر نفسه منفيا، او مبعدا. لم يتنازل عن القرنفلة في شقته الصغيرة، بعيدا من دارة المصيطبة. ولا عن كتبه. ولا عن احساسه بأن السياسي رجل دولة او لا شيء. البكوية استحقاق لا ارث.

شهدت المدن طيفا من المنفيين العرب. وكان مشهدهم محزنا. خلال اقامة في باريس كنت التقي مساء كل يوم تقريبا، علي صالح السعدي. كان يذوب حنينا الى هناء والابناء وجلسة ولو قصيرة على دجلة. نسي تماما انه صاحب البرقية الشهيرة "اسحقوهم حتى العظم". تخلى عنه الرفاق وسدوا ابواب بغداد في طريق العودة. أسأل الآن بعض الرفاق السابقين عن اولاده: سعداء الا من مرارة فقدان ذلك الشريد المكابر.

وكلما زرت الشيخ نهيان بن مبارك في ابو ظبي، اجدني الى جانب اشهر وزير اعلام في تاريخ العراق: محمد سعيد الصحاف، صاحب "العلوج والأوغاد". الآن يخيم هدوء مألوف على جلسة الشيخ نهيان وينادى الصحاف بكنية "ابو زياد". لا ضرورة للالقاب هسّع. جاء الصحاف الى بيروت وهو وزير للخارجية فسأله رفيقه وصديقنا جهاد كرم ماذا يريد: "علبة شوكولاطة عيني". بقي معظم رفاق صدام فقراء. محمد الدوري، آخر مندوب لدى الامم المتحدة، لم يعد يقوى على نفقات دبي، فانتقل الى ستوديو في امارة عجمان. حاولت ان ابحث له عن موقع تعليمي، فاكتشفت ان بعض الصعوبات اكبر من الصداقات. في مجلس الشيخ نهيان منفيون من تونس وليبيا وفلسطين ايضا. ولا ادري عن بقية الحاضرين، فقد عددت ما فيه الكفاية. قبل ان يغادر عبد الحميد البكوش، رئيس الوزراء ما قبل الاخير في ليبيا الملكية (الاخير كان من عائلة القذافي، لسخرية الاقدار) مجلس نهيان الى العالم الابقى، ترك قصيدة مطولة في شؤون الحياة، على نسق ايليا ابو ماضي: لست ادري!

تأملَ في حاله وفي حال الأمة وفي شقاء الاثنين ولم يجد امامه سوى الجدار، وورقة وقلما! وحبرا من رماد. كنت احب عبد الحميد البكوش كثيرا. وما دوّنَتْ الذاكرة تحت باب ما لا ينسى، لقاءٌ معه في مقهى باريسي. سألته ماذا يفعل الآن؟ "عاكف على ترجمة رامبو" قال الليبي الباهي، الذي نفاه الليبي الطاغي، المعفّر بالذهب، والجور والجنون.
طرد العسكر اخيار الامة ومثقفيها، بلا حياء وبوقاحة بليدة. دمروا الجامعات والتعليم. يروي محمد الدوري انه يوم كان استاذا للقانون في جامعة بغداد، كان على هيئة الجامعة الحضور منذ الثامنة صباحا، لأن احدا لا يدري متى يحضر وزير العلوم: حسين كامل المجيد، الدراج السابق في حرس صدام حسين.

امضى بن بله في سجن الرفاق اكثر مما امضى في سجن الفرنسيين. ونجا من رصاصة في الوجه مثل محمد خيضر او رصاصة في الظهر مثل محمد بوضياف، الذي اطمأن الى انه اصبح رئيسا للجمهورية. مَن جره الى العودة بعدما كان قد فتح مصنعا للآجرّ في المغرب وعاش هادئا هانئا قرب افران "الطابوق"؟ يقفز بروتوس في دراميات العرب، بغير بلاغة شكسبيرية. لذلك اول ما يفعله "القيصر" العربي المنقلب، هو ازالة جميع الرفاق، اهمالا كما في المرحلة الناصرية، سجنا كما فعل انور السادات، قتلا كما فعل جزار ليبيا، غدرا كما فعل زين العابدين بن علي بالحبيب بورقيبة، او السجن المؤبد كما حدث لصلاح جديد ونور الدين الأتاسي في المزة.

يروي الديبلوماسي واجد دوماني في مذكراته الممتعة "وجدانيات"(1) انه كان برفقة الشيخ جابر العلي في احد مقاهي ماينز الالمانية (1975) اذ لفتت نظرهما نادلة لها عينا صوفيا لورين، فسألها الشيخ جابر من اي بلد هي. اجابت من المغرب. ولماذا فتاة في جمالها نادلة في مقهى. تبين في النهاية انها طالبة تعمل في الصيف لجمع القسط الجامعي. واما من هي فهي ابنة علال الفاسي زعيم حزب الاستقلال، وأحد كبار المناضلين العرب، والمعتقل يومها في الاقامة الجبرية.

عند بحيرة جنيف مرفأ صغير يسمى "ميناء النوارس"، الطيور المائية التي تصدر صوتا مثل بكاء الاطفال. الكبار الذين يجالسون البحيرة في وحدة الشتاء، لا يبكون، ولا يئنون. اعتادوها، مدينة الاقدار العربية. هنا يشيخ المبعدون وهم يحلمون بالعودة، مثل النوارس التي تهتدي بالسفن وتتسارع عند صوت الاقلاع. بن بله كان اسعد حظا: الارض التي حررها اذنت له بترابها. كان يخشى ان يدفن قرب ميناء النوارس.

(1) وجدانيات، واجد احمد دوماني، مؤسسة دار الريحاني للنشر.

المصدر:
النهار

خبر عاجل