Site icon Lebanese Forces Official Website

وحدة الضدّين: أيمن الظواهري وحسن نصرالله

كلّما بثّت إحدى القنوات الفضائية شريطاً لزعيم تنظيم "القاعدة" أيمن الظواهري يتناول فيه موضوع النظام والثورة في سوريا، يسارع أنصار الثورة إلى إدانته توقيتاً وشكلاً ومضموناً، معتبرين أنّ النظام البعثيّ هو المستفيد الأوّل من هكذا شريط، في حين يتهافت أنصار النظام البعثيّ الدمويّ المحتضر إلى الإستعانة بالشريط، واعتباره دليلاً على صحّة ما يروّج له عبثاً النظام، من أنّ الثورة عليه يقودها تنظيم "القاعدة" في الميدان، بالتحالف مع حزب "العدالة والتنمية" التركي والدول النفطية العربية في المحيط، وبتواطؤ الإمبريالية العالمية، ممثّلة بالإدارة الأميركية والإتحاد الأوروبي.

لكن ما حصل في مقابلته مع جوليان أسانج، وبشكل مباشر أكثر من ذي قبل، أنّ زعيم تنظيم "حزب الله" السيّد حسن نصر الله دخل على الخط، مسنداً هذه التهمة، معتبراً أن الثورة السوريّة يحرّكها أو يستثمرها تنظيم "القاعدة" لحسابه. دليله على ذلك التصريحات والدعوات التي جرى بثّها لأيمن الظواهري في أكثر من شريط.

وبما أنّ نصر الله جعل من الحفاظ على النظام البعثيّ "العلمانيّ" أولويّة لحركته الأصوليّة المسلّحة، يمكن طرح السؤال حينها، عمّا إذا كانت الأولوية العملية المتمّمة لذلك هي إعتبار الكفاح ضدّ تنظيم "القاعدة" عنوان المرحلة لدى "حزب الله"، ويمكن طرح السؤال ثانياً عن تداعيات هذه الحرب المعلنة بين "حزب الله" و"القاعدة"، كتنظيمين مذهبيين راديكاليين، بالنسبة إلى التوترّات المذهبية في المنطقة.

بطبيعة الحال لا يمكن مماثلة حالتي "حزب الله" و"القاعدة" لا من الناحية المذهبية ولا من الناحية الفكرية أو التنظيمية أو السياسية. فـ"حزب الله" هو تنظيم هرميّ جماهيريّ مسلّح لبناني (مع امتدادات إقليميّة "تجهيزيّة" أو "تدريبيّة" أو "دعوية" مباشرة في عدد من البلدان العربية مثل البحرين واليمن) يلتزم بـ"الولاء الإقطاعيّ" لنظام الملالي الإيرانيّ وبالأيديولوجيا الخمينية، أمّا "القاعدة" فهو تنظيم شبكيّ أمميّ (متعدّد الجنسيات) يخلط أيديولوجياًَ بين مصادر عقائدية مختلفة، وله مناطق سيطرة أو قواعد آمنة في بقاع متناثرة عبر العالم الإسلامي، من أفغانستان حتى مالي. مع ذلك، ثمّة عناصر تشابه موضوعي بين "حزب الله" و"القاعدة"، ليس أقلّها تقديس العنف، وتحديداً العنف الإستشهادي، والنظر إلى العالم بشكل "مانوي" على أنّه منقسم بين "فسطاطين"، واعتبار الولايات المتحدة هي "الشيطان الأكبر"، والنظر إلى الصراع معها على أنّه كرّ وفرّ عبر العالم يمكن أن يمتد لأجيال متلاحقة.

وإذا كان بعض الباحثين الغربيين ارتأوا تصنيف كل من "حزب الله" و"القاعدة" في إطار موجة راهنة من الحركات الفاشية في العالم الإسلامي، فلنا التحفّظ على ذلك، وإن كانت بالطبع عناصر معرّفة للفاشية هي أكثر تبدياً في حالة "القاعدة" (التفاخر بالرّعب) وأخرى أكثر تبدياً في حالة "حزب الله" (عبادة الزعيم).

وفي سنوات ما بعد الإحتلال الأميركيّ للعراق، كان موقف "حزب الله" أكثر من ملتبس من أفعال "القاعدة"، إذ كانت تؤلمه مذهبياً الجرائم التي يقوم بها هذا التنظيم ضدّ شيعة العراق، لكنّه كان بحاجة إلى التسويق لنظرية أنّ هناك مقاومة وطنية عراقية ضدّ الإحتلال الأميركيّ. أدى ذلك إلى جملة مفارقات، من مثل توصيف نصر الله ذات يوم بعض جرائم التنظيم في العراق بأنّها تذكّره بأجواء "القرون الوسطى"، في هفوة "استشراقية" لافتة منه، ومن دون أن يسأله أحد إن كان يمثّل عصور النهضة والإصلاح والتنوير في مواجهة عقلية القرون الوسطى. لكن، في المقلب الآخر كان "حزب الله" بحاجة إلى أعمال "القاعدة" ضدّ قوّات التحالف في العراق، وقد سبق لحكومة نوري المالكي نفسها أن وجّهت اتهامات في مرحلة سابقة بشأن ارتباطات بين "حزب الله" و"القاعدة".

في الواقع، فإنّ هناك اليوم قاسماً مشتركاً بين تصريحات الظواهري ونصرالله في الشأن السوري: هي تصريحات تصدر بشكل واضح، ولا لبس فيه عن عقليتين مذهبيتين، تعمل كل واحدة منها لتشويه طبيعة الصراع الجاري في سوريا بين النظام والثورة، أو بالأحرى تراهن كل منها على ما في الواقع السوري نفسه من عوامل موضوعيّة قابلة لهذا التشويه.

إلا أنّ هذا القاسم المشترك لا يلغي فارقاً أكيداً. فأيّاً كانت التهم الموجّهة من قبل الثوار السوريين الى الظواهري بأنّه يتدخّل في ما لا شأن له فيه، فإنّ من البديهي تماماً أن شخصاً يطرح نفسه زعيماً لتنظيم متطرّف عابر للحدود وعلى امتداد العالم، لا يمكن أن تتوقّع منه الصمت حول الموضوع السوري، في حين أنّه ليس البديهيّ أبداً أنّ مفردة "المقاومة" في خطاب حزب الله ما زالت تحافظ على دلالة واضحة، عندما صارت أولويته الحفاظ على النظام السوري باعتباره مقاوماً، والإصطدام بـ"القاعدة" باعتبارها رأس الحربة في مواجهة المقاومة!

Exit mobile version