من اسوأ ما يمكن تصوره في هذه الايام، هو اتفاق الموالاة والمعارضة على ان احوال البلد تسير من سيئ الى اسوأ، كما التقى الطرفان عند شعور واحد مفاده ان «السلطة التنفيذية لم تعد السلطة الحاكمة في البلد». وهذا ينطبق على المعادلة القائلة ان مجلس النواب فقد تأثيره في التحكم بمجريات الحكم»، حيث لم يعد يعني شيئا طالما ان طريقة تركيب الحكومة هي من افقد السلطة التشريعية ثقلها السياسي وغير السياسي، اي الثقل الدستوري – القانوني الغائب منذ مدة طويلة عن دوائر الحكم والمحاسبة؟!
كان يقال في ما سبق، ان على الحكومة ان تحسب حسابا لسلطة المراقبة والمحاسبة، ليس لانها لم تعد كذلك، بل لان مجلس النواب اليوم في وضع لا يحسد عليه جراء انعدام الوزن السياسي لمؤسسات الدولة والاستعاضة عنها بمن هو قادر على ان يثبت وجوده بوسائل وطرق لا رابط بينها وبين الدستور والقوانين واصول الحكم. والمقصود هنا هو حاجة البعض الى سلاحه غير الشرعي (…) وحاجة البعض الاخر لمن يحمي مخالفاته به (…) وحاجة الطرف الثالث الى ان يقلب موازين القوى بواسطته!
امام هذا الواقع المخيف، ليس من بوسعه ادعاء العكس طالما ان امور الحكم مكشوفة بفعل التسيب داخل الحكومة وانعدام مؤثرات مجلس النواب على ضرورة المراقبة والمحاسبة والتشريع، وهذا غير متوفر بشكل دستوري حيث التفاهمات الجانبية قد اصبحت اقوى من كل ما عداها!
في جلسة مناقشة الحكومة امس امام مجلس النواب، كان يكفي تحديد اسم المتكلم لمعرفة ماهية مداخلته بــ «الشرح الممل» وهذا ما كان عليه دأب الجميع بلا استثناء إن من جانب الموالين او من قبل المعارضين، لاسيما ان مجلس النواب غير مهيأ لان يغير حرفا في مسار الحكومة، لانها مدعومة من الاكثرية، فضلا عن ان المشاركين فيها محكومون بطريقة عمل طبيعية او استفزازية لا فرق فيه في نهاية المطاف!
واذا كان الرئيس نجيب ميقاتي في وضع من هو مضطر لان لا يغضب اي وزير او اي مرجع سياسي داخلي او خارجي، ويشبه وضعه في السلطة وضع اي اداري في القطاع العام لا يعرف ما اذا كان سيطلع نهار جديد عليه وهو في موقعه. كما ينطبق حال اي وزير على حال رئيس الحكومة حيث ليس بوسع احد القول انه قادر على الاستقالة، حتى ولو اقتضى الامر ازاحة احد الوزراء لاسباب لا علاقة له بها!
عندما قيل اننا امام حكومة «صنع حزب الله وسوريا» لم يكن صاحب هذه النظرية مجافيا للواقع، بدليل ان السلسلة الوزارية مرهونة من لحظة تشكيل الحكومة بتماسك الحزب مع حليفه تكتل التغيير والاصلاح. وكل من يدعي ان وضعه في الوزارة مغاير لهذه الحقيقة يكون لا يعرف كوعه من بوعه، ولن يعرف ما سيمر عليه في المستقبل المنظور!
كلمة حق تقال عن نظرة حزب الله الى جلسة مناقشة الحكومة عندما شبهها رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد بــ «سجال سياسي – انتخابي» اي ان كل واحد سيظهر بالصوت والصورة وهو يدافع عن وجهة نظره من غير حاجة الى انتظار من يقول له انه على حق او على باطل. وهذه المعادلة لم تعد محسوبة عند اي طرف في السلطة او خارجها. ويمكن القول عن الحكومة انها بمثابة القضاء والقدر. وهي مقتنعة اولا بواقعها مثلها مثل قناعة خصومها بانهم غير قادرين على ازاحتها. وحسنا فعل المعارضون عندما استبعدوا سلفا امكان طرح الثقة باي وزير او بالحكومة مجتمعة كي لا يضاعفوا معاناتهم من حيازتها الثقة قياسا على ما هو معروف؟!
اما كلمة الباطل الواجبة بالتلازم مع جلسة مناقشة الحكومة، فهي اننا محكومون بسلطة غير قادرة على ان تكون سلطة بالقول والفعل، وهذا من ضمن المتعارف عليه «كي لا تقع الواقعة وكي لا يضطر حزب الله لان يستخدم قواه غير السياسية لترجمة ما يرغب فيه شاء من شاء وابى من ابى، من غير حاجة الى اقحام من هو على استعداد في المطلق لان يغطي تصرفاته على علاتها!
ومن الان الى حين بلورة الصورة السورية، سيكون من المستحيل على اي طرف ادعاء القدرة على اسقاط الحكومة التي عرفت الى الان كيف تنأى بنفسها من غير حاجة الى من يطالبها باثبات وجودها؟!