الأغتيال مصطلح يستعمل لوصف عمليّة قتل منظّمة ومتعمّدة، تستهدف شحصيّة ذات تأثير فكري أو سياسي أو قيادي. ويكون مرتكز عمليّة الأغتيال في الإجمال أسبابا عقائديّة أو سياسيّة أو إنتقاميّة، ترمي الى شطب شخص محدّد يعتبره منظّمو العمليّة الإغتياليّة عائقا في طريق تحقيق أهدافهم. ويتراوح حجم المنظّمين من شخص واحد الى مجموعات مكودرة وحكومات ومؤسّسات عملاقة. وفي حين يجمع "الإنسانيّون" على اعتبار المغدور ضحيّة لإجرام مرفوض تبريره، تجد الجهة المنظّمة في نجاح الإغتيال عملا بطوليا لها أو فضيلة.
الأغتيال هو عمليّة تصفية جسديّة مباشرة لكل من تجاوز الخطّ الأحمر، وقد يعتبر الوسيلة الأسرع لإفهام من يعتبر نفسه قادرا على الخروج عن واجب الطّاعة، بأنّه لن يفلح.
لقد طالعتنا الأنباء منذ فترة ليست بعيدة بخبر نجاة سمير جعجع من محاولة لاغتياله. وتابعنا ردود الفعل والمواقف المتباينة إثر انتشار هذا الخبر، المستنكرة منها والمتردّدة والكوميديّة. وكلّها مشروعة في مكيال ديمقراطية الرأي والرأي الآخر بغضّ النّظر عمّا إذا كان بعضها مدعوما بالحجّة أو بينه وبينها جفوة وطلاق.
إزاء هذه الحادثة التي لم تدهشنا نظرا لهيمنة لون الدمّ على أشداق بعض "المتحاورين" عندنا وفي الخارج والذين تسبق غرائزهم رويّتهم بشكل منتظم، لا بدّ من بعض بديهيّات الملاحظات. وذلك على سبيل عقلانيّة البحث:
*إنّ الشخص المرصود والمنويّ تصفيته ليس عاديا في زمن الوطن الحالي، هو يحمل مشروعا يواجه به نقيضيه أي رغبة "غوليّة" دائمة في جعل لبنان مساحة مستتبعة لسوريا الكبرى التي يحدّها من الغرب البحر الأبيض المتوسّط فقط، ومقاومة مأذونة لتحويل الوطن ذراعا عسكريّة فارسيّة أو متراسا متقدّما للردّ عن حلم إيران الأعجمي. فالأستراتيجية التي عنوانها الدولة والتي يحملها جعجع تربك الى حدّ بعيد أهداف من يعملون على تقويض الدولة والوطن، وبشكل علنيّ، لحساب أجندات مستوردة.
*لا يمكن التقليل من أهميّة المنوي تصفيته، والذي بات في المرحلة الآنيّة "زعيما" لبنانياً وعربياً وسنيّاً وحتى سورياً، إذ ترفع صورته في بعض الشارع المنتفض مكتوبا تحتها "سمير جعجع الزعيم العربي" . هنا لا بدّ من طرح الإشكالية الاتية: من جرى استبداله بمن؟ فبعد أن كانت صور السيّد حسن نصرالله تملأ دنيا العرب وتشغل ناسهم، فهو سيّد المقاومة والضامن الأوحد للكرامة القوميّة إزاء تخاذل الأنظمة، اختفت الصور بفعل السابع من أيّار الذي هدم ادّعاء الدّرع والشهادة فاستبدل الإتّجاه واستبدل العدو، وفي المقابل استبدلت الصورة.
* أمّا الذين تفنّنوا في كاريكاتورية التعبير عن عدم تمرير "رواية الزهرة"، وهم خصوم لجعجع ويتمنّون جدّيّا أفول نجمه، فالغريب أنّ هجومهم لم يتجاوز زرع الشك فقط. إنّهم في السلطة، لا بل هم السلطة، وبإمكانهم لا بل من مصلحتهم العمل لتبيان أنّ عمليّة الإغتيال ملفّقة، ومن نسج خيال جعجع وقوّاته. ومن شأن ذلك أن ينهي جعجع سياسيا والى الأبد، ويوفّر على الذين حاولوا اغتياله وفشلوا، أن يتكبّدوا عناء المحاولة مرّة أخرى، إذ النتيجة واحدة. أمّا أنّ هؤلاء يقبعون في هلوسات التمنّي، ويعجزون عن إيراد حجّة يتيمة تدحض "مزاعم" معراب، فهذا يعني وبوضوح لا يشوبه التباس أنّ المحاولة قد تمّت فصولا، ونجا منها جعجع والبلد. إنّ المسجونين في عتمات حقدهم، رعاهم الله، أصحاب الأدمغة البكماء والعقول المشوّهة، ليس أدلّ على دناءة مسراهم سوى تأسّفهم على عدم نجاح الجريمة.
*إنّ السؤال البديهي الذي يلي، هو مدى استفادة جعجع من حكاية الإغتيال "المنسوجة"؟ فالرجل ليس بحاجة الى مسرحيّة كهذه ليصل الى القمّة. إنّه الرقم الصعب (حاليا) في المعطى السياسي الدّاخلي لأنّه يتزعّم، على الأرض وعلى الأقلّ، نصف المسيحيّين وثلاثة أرباع السنّة وبعض الشّيعة، ويتناغم معه ضمناً أكثر الدروز. وهو السياسي الأكثر ترحيبا وقبولا واحتراما في العالم المحيط بنا، نظرا لوضوح استراتيجيّته وثبات خطّه وصدق علاقته مع ميزة لبنان والتي يطرحها لتكون النموذج الجديّ المحتذى في أوقيانوسنا العربي. ( أوقيانوسيا هو مصطلح جغرافي يستخدم بطرق مختلفة فيما بين مختلف فروع الجغرافيا. ومفهوم المناطق مهم ويستخدم على نطاق واسع في العديد من فروع الجغرافيا، كل واحدة منها يمكن أن تصف المناطق من الناحية الإقليمية(.
وبعد، هل يلام المشكّكون الذين يجب أن يتمّ استدعاؤهم أمام القضاء بتهمة تضليل التحقيق، بتلفيقاتهم وتخرّصاتهم وإشاعاتهم وتشكّكاتهم، هل يلام هؤلاء على انفطار قلوبهم وتفجّر مرارتهم كون جريمة الغدر غدرت بهم؟