#adsense

نعم الإنتخابات في خطر

حجم الخط

لا جدالَ في حقيقة أنّ فرقاء سياسيّين عديدين قد دخلوا منذ مدّة غير قصيرة في الموسم الانتخابيّ – أو في المعمعة الانتخابيّة – كما لا جدالَ في حقيقة أنّ هؤلاء يجعلون من بتّ قانون الانتخاب أولويّة تعلو سائر الأولويّات، وذلك على الرغم من الظروف السياسيّة العامّة المتدهورة.

بطبيعة الحال، إنّ الاهتمام بانتخابات تجري بعدَ نحو عام من الآن، أمرٌ مفهوم. بيدَ أنّ السؤال الذي يلحّ طرحُه هو الآتي: هل يمكن في مثل الظروف القائمة حاليّاً لو استمرّت، أن تجري الانتخابات أصلاً؟ وهذا السؤال ينطلق من أنّ الانتخابات ليست مسألة قانون تجري على أساسه، بل هي قبل أيّ شيء مسألة ظروف تمكّن من إجرائها.

في الأيّام الماضية، قارب الرئيس سعد الحريري الانتخابات من زاوية سياسيّة عندما تناول القانون سياسيّاً، فقال في مقابلة مع صحيفة «المستقبل» إنّه يرفض النسبية في ظلّ السلاح مذكّراً بأنّ تطبيق النسبيّة خصوصاً في مناطق الهيمنة المباشرة والعلنيّة للسلاح أمر مستحيل. غير أنّ الأمر في السياسة لا يقف، ولا يمكن أن يقف عند هذا الحدّ. وإذا كانَ الرئيس الحريري يجانب في التوقيت الحالي التطرّق إلى مصير الانتخابات في حدّ ذاته، في ما يتجاوز تطرّقه إلى إحدى الصيغ القانونيّة المطروحة – أي النسبيّة – أي أنّه يجانب تناول السياق والمناخ السياسيّين للانتخابات، فإنّ هذا الموضوع يتطلّب مسارعةً إلى تحديد الإطار العام الذي من شأنه أن يجعل حصول الانتخابات في موعدها ممكناً. ففي ظلّ حكومة تشكّلت في الأصل في عمليّة انقلابيّة على الديموقراطيّة البرلمانيّة، وفي ظلّ حكومة تخضع لمحور النظام السوريّ – «حزب الله»، حكومة الكيد السياسيّ، حكومة الإجهاز على الدولة ومؤسّساتها، وفي ظرف تمدّد السلاح وأصحابه على مختلف الأراضي اللبنانيّة، وبوجود المربّعات الأمنيّة غير الشرعيّة في طول البلاد وعرضها وفرق الاغتيال تصول وتجول مستهدفةً الدكتور سمير جعجع وغيره من الرموز الكبيرة، بل بوجود المخابرات السوريّة تسرح وتمرح، وفي ظلّ الخلل الكبير في بنية عدد من الأجهزة الأمنية وأدائها.. لا يمكن للانتخابات النيابيّة أن تحصل. وفي مثل هكذا ظروف ستكون الانتخابات لو جرت مجزرة للديموقراطيّة، وإطاحةً بالنظام السياسيّ وتمزيقاً للعيش المشترك وللسلم الأهلي اللبنانيّ، وستكون انتقالاً بلبنان إلى محطّة خطيرة جدّاً في وجوده.

الانتخابات النيابيّة مناخٌ آمن وديموقراطي ومتكافئ أو لا تكون. والانتخابات استحقاقٌ لإرادة الشعب، ومحطّة لتظهير هذه الإرادة توازنَ قوى سياسيّاً محدّداً. ولا يمكن أن تتمّ في غياب المقوّمات الرئيسيّة للأمن والحرّية. ولذلك فإنّ المطلوب أوّلاً البتّ في الضمانات الفعليّة لحصول انتخابات حرّة وديموقراطيّة. المطلوب البتّ في من تكون الحكومة التي ستشرف على الانتخابات. ولا مفرّ هنا من حكومة انتقاليّة تُشكّل منذ الآن، تتولّى هذه المهمّة وتهيِّئ الظروف المناسبة.

والمطلوب البتّ في مقتضيات أمن الانتخابات. ولا مفرّ، على الأقلّ في الفترة الفاصلة عن الانتخابات، من إزالة المربّعات الأمنيّة ومِن جعل المدن والقرى مناطق منزوعة السلاح. كذلك لا مفرّ من تغييرات تشمل المسؤوليّات في العديد من الأجهزة الأمنيّة. والمطلوبُ البتّ في ما يكفل شرعيّة الانتخابات. ولا بدّ من رعاية ورقابة عربيّتين ودوليّتين لسير العمليّة الانتخابيّة. والمطلوب البتّ في من يحقّ له الترشّح أيضاً. فهل يدخل السباق الانتخابي ممتهنو الحطّ من قيم الأخلاق بل من مجمل نظام القيم؟ وهل يدخل السباق من يجاهرون بأنّهم فوق القانون؟ المطلوبُ إذاً ضمانات وضوابط أوّلاً ثمّ قانون للانتخاب.

لقد أثبتت التجربة منذ العام 2005 أنّ السلاح أقوى من الديموقراطيّة، وأنّ الفجور أقوى من كلّ القيم، وأنّ العنف أقوى من العمليّة السياسيّة، وأنّ الانقضاض على الاتّفاقات والتفاهمات أقوى من الصدق. وهذا ما لا يقبل اللبنانيّون باستمراره.

إنّ هذه الضمانات مطلوبة حتّى لو سقط نظام الأسد في سوريّا المتدخّل في شؤون لبنان. بل هي مناسبةٌ للارتقاء بالانتخابات إلى مرتبة «القدسيّة» لإرادة الشعب في جميع المراحل والحالات.

وألّا تجري الانتخابات في مناخ القهر والهيمنة والاستبداد والاستقواء أفضل بكثير من أن تحصل. فلا أثمن من الحرّية لتحكيم إرادة الشعب، في مسار آمن وسلميّ وديموقراطيّ.. كي يحوز اللبنانيّون على ربيعهم فعلاً. قبل يومين سأل رئيس كتلة «حزب الله» النيابيّة محمد رعد تعليقاً على موقف الرئيس الحريري: وهل رفض النسبيّة بوجود السلاح مقدّمة لرفض الانتخابات بوجود السلاح؟. إنّ المقدّمات السابقة تجيبه بوضوح: لم تعُد حذلقات فريقك السياسيّ تمرّ على أحد!. كذلك وفي اليومين الماضيين أيضاً خلال الجلسات النيابيّة قال نوّاب كتل 14 آذار ما ينبغي أن يُقال في الحكومة، لكنّهم لم يتوصّلوا إلى النتيجة، أي سقوط الحكومة. لكن وتصدّياً لهذه «الإشكاليّة» الكبرى حيث تستمّر حكومة مطعونة من كلّ الجوانب، فإنّ من شأن المطالبة بالذهاب إلى حكومة انتقاليّة فوراً أن تقدّم منطقاً سياسيّاً جدّياً.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل