#adsense

الوطن يفتقد شهيده الباسل

حجم الخط

سيَر الشهداء في هذا البلد مصنوعة بخيوط من تعب وألم، سيرة مربوطة بالقتل البشع للرأي المخالف وللأفكار الحرة. سبع سنوات كأنها قطار ضخم يسير باندفاع لا يتوقف يزيح كل شيء بطريقه إلا ذكرى من استشهدوا وهم يدافعون بالحرية عن وطنهم. مذهلة هي هذه السنوات السبع، حملت الكثير من التبدلات ولكن أبرزها كان خلال عام مضى علينا، ثورات من أجل الحرية ورفض الظلم. السنوات السبع ما زالت تستحضر ذكرى الشهيد باسل فليحان من يوم الانفجار في ساحة "السان جورج" إلى جانب الرئيس الشهيد رفيق الحريري.. وصولاً إلى غرفة المستشفى حيث الجلد هو بقايا قطن يغطي لحماً حياً محروقاً.

في الأعوام الستة الماضية كان لباسل زائر يومي لا يتركه أبداً، كانت امرأة عاشت حياتها في البيت كالمعتاد، تهتم بشؤونه، تنتظر اتصالاً، تشتري وروداً حمراً وتزور القبر المغطى بعشب أخضر لتغني له ما كانت تهدهده له صغيراً. إنها والدة باسل التي غابت قبل أشهر وتركت خلفها ورودها تنتظر باقي أفراد العائلة يحملونها ليضعوها. رضا نصر لم تعد موجودة هذا العام لتجلس بالقرب من ابنها تسرد له حكايا قبل النوم، أو لتمسد العشب الأخضر فتهتز روحه الجميلة، هي ذهبت لتلتقي به في مكان ما تسمع معه الأغنية نفسها.

رحلت رضا وتركت الكثير من الأحباء، هناك يسمى ورينى وريان والكثير من الأصدقاء والمحبين، يرسمونه، ويحكون عنه كأنه حاضر دائماً في البيوت الصغيرة التي تحمل رائحة يديه وابتسامته الجميلة.
غاب باسل، بعدما ترك خلفه ثورة ضخمة هزت لبنان والمنطقة، وبعد أعوام انفجرت ثورة الحريات في العالم العربي في وجه "الديكتاتور" و"القاتل" وحكم الحزب الواحد، وأشباه الجمهوريات، وصار في كل بلد ملايين يشبهون باسل فليحان في صنع الحرية.

قبل أقل من عام ونصف العام، انقلب الديكتاتوريون وأصحاب القمصان السود على ربيع بيروت، وأرادوا إرجاع التاريخ الى الوراء، في وقت كان فيه العالم العربي يستلهم الحرية من بيروت ويطورها ويصنع منها مرحلة جديدة للتغيير والديموقراطية في العالم العربي.

استطاعوا بالغدر أن ينقلبوا في ذلك اليوم على حكومة الوحدة الوطنية. وأن يمنحوا أنفسهم المجال للبدء ببناء ديكتاتورية جديدة تكون إلى جانب ديكتاتورية آل الأسد في سوريا، تحميها في ملماتها وخصوصاً مع اقتراب "المحكمة الخاصة بلبنان" من صناعة أول محاكمة للاغتيال السياسي في العالم العربي.

بدأت الحرية بالانتصار من تونس ومصر وليبيا واليمن، فيما صارت الورود ناضجة في سوريا لاسقاط نظام الأسد في أقرب الفرص، مع ان ثمن الحرية فيها كان أكبر بكثير من ثمنها في أي مكان من العالم العربي.
الحلم

بين البيت الصغير للعائلة وبيوت الأصدقاء، تستريح صور باسل، لا تفارقها الابتسامة. كأنما الحياة تتحرك فيها وتنبض بحب معلن كما كان دوماً. كأن استشهاده لم يحدث طوال هذا الوقت، أو كأن روحه الخفيفة كظل بقيت مع الذين يحبهم. حتى لا يكون فقدانه قاسياً عليهم، فهو يفكر بالآخرين قبل القيام بأي عمل، يغيب باسل ويغيب مشروعه الاقتصادي في ظل حملة أصحاب "المقاولة" و"الاصلاح والتغيير" المدعومين من القمصان السود.

الانقلابيون وحُماتهم يحاصرون اللبنانيين بلقمة عيشهم، كما حموا المطلوبين في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، أخطاء يمارسونها من دون حسيب تؤدي إلى انهيار لبنان بهدوء، انهيار سياسي وأمني واقتصادي، والتهرب من المسؤولية سيّد الموقف عند من قام بتخريب الوضع اللبناني. يرمون المسؤولية على من عمل لأجل لبنان في أخطائهم التي لا تنتهي، ويحاولون القول إنهم يريدون الخير للبلد، وينأون بأنفسهم عن قضايا الشعب السوري الثائر من أجل الحرية أيضاً ليكونوا جزءاً من حماة النظام، كأنهم يجهزون أنفسهم لمحكمة الجنايات الدولية أو للمحكمة الخاصة بلبنان.

في السنوات الصعبة والمرّة أي خلال الحرب الأهلية، كان باسل يدرس في الجامعة الأميركية في بيروت، كتب افتتاحية إحدى النشرات الجامعية عن اغتيال رئيس الجامعة على يد الظلامية السوداء في العام 1984: "لا تؤكد مأساة اغتيال مالكولم كير، الذي كان يمثل أمل التحسين والحيوية والتفهم الاعتقاد بتأثر الجامعة الأميركية بمشاكل محيطها، بل تؤكد أن هذه الجامعة بصفتها مؤسسة صارت هدفاً رئيسياً. إن بقاء الجامعة هو ظاهرة حقيقية، ولذا فلا بد من بذل جهود لا تكل حتى لا تتحول هذه الجامعة إلى موقع ممالئ للكفاءة الباهتة".

ما قاله "باسل" عن "مالكولم كير" والجامعة الأميركية كان يرسم فيه خط حياته وحياة الأحرار في لبنان والعالم العربي. فالقاتل حين "فجّر" موكب الرئيس الشهيد أراد أن ينهي الأمل بتجدد الحياة في لبنان. القاتل كسيرته دائماً يقتل كل من يعطي أملاً للناس في هذا الوطن. يقتل بناة مستقبل لا أبطال ماضٍ فحسب. وكأنه بقتلهم يقتل الحياة لأنهم يصنعون حياة جميلة ومستقبلاً للوطن.

من سيرة رجل المنجزات
دخل باسل فليحان المجال الاقتصادي في لبنان منذ العام 1992، من مدخل وزارة المالية حيث عمل كمستشار لوزير المالية آنذاك فؤاد السنيورة. كان من المشاركين الاساسيين في اطلاق اول برنامج اصلاحي مالي متطور فيها. وهو اول من ادخل اليها برنامج الامم المتحدة والبنك الدولي.

في وزارة المالية تغتني سلة فليحان بالمنجزات ولعل ابرزها: تحديث الانظمة الضريبية ومكننة جميع معاملات الموازنة وادارة الجمارك ومديرية الشؤون العقارية، بالإضافة الى تحديث سوق الدين والبدء بإصدارات عبر اتباع معايير دينية. كما انشأ فليحان المعهد المالي لتدريب الموظفين في الوزارة، والذي اصبح في ما بعد مركزا اقليميا للتدريب.

بعد فوزه ضمن لائحة الرئيس رفيق الحريري في انتخابات العام 2000، دخل فليحان الندوة البرلمانية. اوكل اليه الرئيس حينها حقيبة الاقتصاد التي حقق فيها منجزات لا تحصى، اولها الورقة الإصلاحية لباريس 2، وليس آخرها الملفات الاقتصادية الدولية التي ابرزها اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي والاتفاقية الانتقالية وانضمام لبنان الى منظمة التجارة العالمية والتحضير لاجتماعات المجلس الاقتصادي الاجتماعي لجامعة الدول العربية.

لم تتوقف عطاءاته في المجال الاقتصادي عند هذا الحد، فأكملها في ما بعد في وزارة الاقتصاد حيث شغل منصب وزير. كانت خطته الاقتصادية مختلفة، اذ اقتضت تحفيز القطاع الخاص واعادة النظر في دور الدولة في هذا المجال. الخطوة الأولى بدأت في توحيد عمل المراقبين في مصلحة حماية المستهلك وتنظيمه من خلال اشراك المجتمع المحلي. وبموازاة ذلك عمل فليحان على اعادة هيكلة وتوحيد قطاع التأمين في لبنان، لجهة تطوير نظام الاسس التنظيمية للمحاسبة فيه وتطوير نظام موحد للتقارير والنماذج ذات الصلة. بالإضافة الى اقرار قانون التأمين الإلزامي على المركبات وانشاء لجنة الضمان التحكيمي. وفي داخل الوزارة ، ترك فليحان بصماته على قانون اعادة هيكلتها وتجهيزها بمعدات متطورة والعمل لمكننة وحداتها بهدف تعجيل وضبط سير المعاملات فيها.

..وللقوانين حصة
عمل باسل فليحان على تحديث العديد من القوانين التي تحكم التجارة الداخلية والخارجية وأبرزها:
ـ اطلاق مشروع لوضع اطار قانوني للتجارة الإلكترونية من خلال مشروع ممول من الاتحاد الاوروبي.
ـ وضع المسودة الاولية لمشروع قانون حديث ومتطور لحماية المستهلك .يهدف القانون الى تحديد القواعد العامة المتعلقة بصحة وسلامة المنتجات، وجودة الخدمات، ونزاهة المعاملات الاقتصادية لحماية المستهلك وضمان حقوقه في كل الميادين والقطاعات .

ـ العمل لوضع قانون متطور وحديث للمنافسة، بهدف تحرير الاسواق وتعزيز المنافسة وخفض الاسعار وتحسين نوعية السلع والخدمات .
ـ في اطار الانضمام الى منظمة التجارة العالمية، تم وضع قانون لتنظيم اصدار تراخيص الاستيراد والتصدير وتنظيم المعايير الاختيارية والالزامية للمنتجات وانظمة الصحة والصحة النباتية. كما تم وضع مشروع قانون للمعاملات التجارية.

ـ البدء بوضع قانون لسلامة الغذاء في لبنان.
سنة 2000، انتخب نائباً في البرلمان اللبناني وهو رئيس لجنة الاقتصاد والتجارة البرلمانية.
عُيّن رئيساً للجنة الاقتصاد والتجارة والصناعة والتخطيط في مجلس النواب اللبناني ووزيراً للاقتصاد والتجارة في سنة 2003.
من سنة 1991 حتى 1993 شغل منصب مستشار المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي، وتولى إدارة مشروع البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية في وزارة المال. من سنة 1987 حتى 1988 عمل في البنك الدولي في منصب مستشار في دائرة الشرق الأوسط.

أعماله
رأس جهود الحكومة الآيلة إلى دخول الأسواق العالمية من طريق إصدار سندات يوروبوند بقيمة 2,45 ملياري دولار (بين عامي 1994 ـ 1998).
مثّل وزارة المال في المفاوضات مع وكالات التصنيف الائتماني العالمية، والمؤسسات المتعددة الجهات والمؤسسات المالية العالمية الخاصة.
مثّل رئيس مجلس الوزراء ووزارة المال في المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي حول اتفاق الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية بين لبنان والاتحاد الأوروبي.
شارك في المناقشات والمفاوضات حول الاتفاقات المتعلقة بالضرائب والاستثمار.

قاد جهود وزارة المال للإصلاح وضمنها تصميم وتنفيذ وإدارة المشاريع المتعلقة بالإصلاح وإعادة تنظيم ومكننة مديرية المال، وإدارة الجمارك ومديرية تسجيل العقارات والسجل العقاري وتأسيس مؤسسة للتدريب على المالية العامة ومكتبة للمالية العامة.
قام بتنسيق جميع المساعدات التقنية الممنوحة لوزارة المال وأدار العلاقة بين الوزارة والمصرف المركزي ومجلس الإنماء والإعمار.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل