لم يحمل اليوم الثاني للجلسات النيابية العامة جديداً، بل جاءت مداخلات النواب حتى الامس، في اطار المشهد السياسي الذي هي عليه البلاد، ويحمل احياناً عدة اوجه للخلافات، سواء اكانت بين القوى الحكومية ذاتها، ام بين 8 و14 آذار او داخل الحلقة الوزارية الواحدة، على غرار السجال والتجاذب بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وبين وزير المالية محمد الصفدي دون ان تعرف خلفياته الواضحة، واذا ما كانت ذات صلة بالصفقات والعمولات، ام الحرص على مال الخزينة او ممارسة الصلاحيات…
لكن الواضح حتى حينه ايضا، العناوين والشعارات، التي دارت حولها المداخلات او كانت محورها، هي التي ستظلل الاستحقاق النيابي المقبل والذي تسعى جبهة الى نيل الغالبية التي ستمكنها من تشكيل الحكومة التي ستدير البلاد وترسم لها خياراً سياسياً قد لا يستطيع اي فريق ان يرسخه في الاداء العام للعمل السياسي او في ادارة الدولة.
فقوى 8 اذار تسعى من خلال عدة وسائل واقتراحات لقوانين انتخابية لتفصيل نتائج هذا الاستحقاق على مقاسها، بحيث تظهر معالم خلاصة هذه الانتخابات من خلال التقسيمات الانتخابية ام نوعية القانون الذي تميل اليه، وهي تجد ان المسافة عن عودتها بقبضة ديموقراطية كاملة الى الحكم والحكومة والسلطة، تكون من خلال ما يعزز هذا الاستحقاق من واقع نيابي، حتى اذا ما نالت قوى 8 آذار النصف زائداً واحداً ستطبق منطق "لا شراكة في السلطة"..
ولا تنطلق قوى 14 اذار من حسابات مختلفة في الاهداف، اذ هي تعلم ان حصولها على "النصف زائدا نصفاً"، لن يمكنها من ادارة البلاد فيما لو تشكلت حكومة من صفوفها، طالما سلاح "حزب الله" قادر ان يعدل في مسار الحياة الديموقراطية ويرسم شكل الحكومة التي يريدها.
الا ان هذا الفريق، بات على قناعة بعد مسلسل الاخفاقات التي رافقت مسيرته السياسية منذ العام 2005 حتى اسقاط الحكومة السابقة، بانه كان ساذجا في ادارته البلاد، وبقي طوال الوقت في حالة دفاع وخوف غيرمبرر.. الى ان خسر ما يقارب كل شي بعد وضعه داخل حلقة المساعي التي دارت حول (س.س) لكن عدد من المواقف التي تلت هذا الاسقاط عكست قراراً لدى هذا الفريق باعتماد اسلوب سياسي في حكم البلاد، هذه المرة اذا ما نال الغالبية النيابية، فهو بات على قناعة بان المواجهة بين رئيس المجلس النيابي نبيه بري وبينه. سيكون احد اوجهها قانون انتخابي يؤمن الغالبية لقوى 8 آذار لاعادة انتخاب الرئيس بري، وما يلي ذلك من حكومة وبعده رئيس للجمهورية من لون واحد، في حين ان قوى 14 اذار، حسمت خيارها، اذا ما كانت امام عدة استحقاقات مدخلها كلها استحقاق اساسي، وهو النيابي الذي ستسعى من خلال صورة قانون الانتخاب الى مقاربة الحيازة على الغالبية باكثر من عدد متواضع من النواب، فيأتي بعد ذلك قرار ابعاد الرئيس بري، وتشكيل الرئيس سعد الحريري حكومة وفق معايير سياسية وميثاقية مختلفة عن تصور قوى 8 آذار، ولن يشرك فيها "حزب الله" نظرا للاتهامات التي حتى حينه طالت قياديين من صفوفه متورطين في عملية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وصولا الى الاستحقاق الرئاسي وما يرافقه من تحديات وتجاذبات.
ورغم ان قوى 14 آذار تفضل عدم حصول الانتخابات النيابية في ظل تواجد سلاح "حزب الله" وكان عبر عن ذلك كل من الرئيس سعد الحريري والنائبين مروان حماده وميشال فرعون، فان التعاطي الدولي السابق مع عدة استحقاقات حصلت في ظل توافق دولي – اقليمي، على غرار الانتخابات النيابية في العام 2005، وسعي الحكومات لاحقا الى احترام كل المهل الدستورية بما فيها الانتخابات النيابية، قد يستعاد هذه المرة للدفع نحو اجراء هذا الاستحقاق في موعده، وهذا التوجه هو ذاته لدى القوى الدولية التي كانت داعمة ومؤيدة لقوى 14 آذار، وعادت وانتقدت بعد الانتخابات النيابية وقبلها لا سيما في ضوء خسارتهم امام العماد ميشال عون في بعض المناطق، الاسباب التي دفعت بهم نحو هكذا نتائج، كانت نتاج خلافات داخل اللائحة الواحدة.
اذا جلسات اليومين الماضيين، شكلت ايضا لعدد من النواب ممارسة التهريج والمزايدات لارضاء رؤساء الكتل والقوى المؤثرة في محورهم، من اجل اعادتهم مرة اخراى الى الندوة، من باب الدخول على اللوائح التي سيشكلها هذا المحور، والتي بدا من خلالها ان نواب تكتل التغيير والاصلاح تمكنوا من ترجيح كفة الميزان لمصلحتهم مقابل نواب قوى 14 آذار الذي ان بدا بعضهم باهتا في مداخلاته وتعليقاته التي لم تحمل جديدا.
لكن في موازاة المنافسة الطبيعية في الاستحقاق النيابي المقبل بين قوى 8 و14 آذار فان ثمة ارتياحا قويا لدى الفريق المسيحي في محور8 آذار، ناتج من قوة العلاقة والتواصل بين البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي وبين النائب العماد ميشال عون وان هذا الواقع سيرخي بانعكاساته ايجابا على هذا الفريق نظرا للتلاقي السياسي بوجهات النظر مع سيد بكركي.
اذا في حين اتخذت قوى 14 آذار، قرارا بالابعاد عن البطريرك الماروني، ما عدا حزب الكتائب اللبنانية، فان هذا الامر حسب قوى مسيحية في 14 آذار، لم ولن يترك تأثيراً وهموماً لدى البطريرك الراعي، الذي رسم مسار تحركاته، التي كان بعضها سيفاجئ هذا الفريق اكثر من وقع المواقف التي يسمعها عن لسان رأس الكنيسة المارونية، اذ رغم الاحتجاجات والاعترافات التي ابداها هذا المحور في اتجاه البطريرك بعد مواقفه في فرنسا، لم يتوقف بعدها امام هذا الامر البطريرك الراعي، اذ هو كان سيرافق المطران الماروني الجديد عن اللاذقية الياس سليمان، في شهر شباط الماضي ليرأس معه القداس الاول، الا ان اصرار المطران سليمان على عدم انتقال البطريرك الى سوريا، في ظل الاوضاع الامنية السائدة، وبالتعاون مع عدد من الاساقفة والكهنة توصلوا الى اقناع البطريرك بعدم الذهاب الى سوريا يومئذ.
وتتابع الاوساط، بان للبطريرك الراعي احتراما لدى القيادة السورية، اذ هو تمكن في الاشهر الماضية من الافراج عن عدد من الموقوفين المسيحيين الذين تظاهروا ضد النظام من خلال اتصالات اجراها مع مسؤولين رفيعين في القيادة.
لذلك ستجد قوى 14 اذار، بانها في موقع صعب لا سيما ان البطريرك الراعي مصر على كسر الاصطفاف، ودعم لوائح ذات طابع مستقل وقد يكون مهدها الاساسي حكما في المناطق المسيحية وفي دوائر جبل لبنان.