على رغم اللامبالاة الغالبة التي طبعت الايام البرلمانية الثلاثة في جلسة المناقشة العامة، تخرج هذه الجلسة بحصيلة ايجابية لعلها يتيمة وهي ان مجلس النواب لم يكن يحاسب الا نفسه ولم يكن يحاكم الا نوابه.
فعلى الصعيد الاجرائي اولا، ما كان لهذه الجلسة ان تستهلك اياما ثلاثة مع زحمة قياسية في عدد المتكلمين والمتطوعين بسحب الكلمات لولا انحباس طويل في فتح المنبر البرلماني امام مثل هذه الجلسات، التي على عقمها وهبوط مستواها التعبيري، تظل المتنفس الوحيد "لتعريف" الناخبين على نوابهم. ولنتصور فداحة الامر، عندما "يتعرف" الناس على غالبية نوابهم بعد ثلاث سنوات من انتخابهم وعلى مشارف دورة انتخابية جديدة.
مفاد ذلك ان "اكتشافا" متأخرا لهبوط المستوى النيابي يكفي وحده للتساؤل عن القوانين الانتخابية التي لا تقيم اعتبارا للخيار الفردي الحصري الذي يوجب "فحص" المرشح كأساس لاختياره قبل ان تفرضه لائحة الزعيم او موجبات الاصطفاف العريض ايا يكن النظام الانتخابي.
اما في البعد السياسي، فان أسوأ ما تخرج به الجلسة هو خلوها من المفاجآت لعجز عن تحويل الثرثرة الى تصويب ولو نسبي لسياسات يئن منها الناس. لم تكن هذه الحصيلة بطبيعة الحال الا متوقعة. ولكن ما يسترعي الانتباه فعلا هو استغراق الغالبية، او معظمها، في عجز عن مواجهة الواقع بالهروب الى محاكمة خصومها بالشتيمة. وبصرف النظر عن كون هذا الفريق شريكا كامل الشراكة مع خصومه في الماضي الذي يحاكمه، فان توسله الجلسة منصة اطلاق نار الى الوراء لم يخرجه بالصورة القوية لغالبية تحاول اثبات مشروعية امساكها بالسلطة منفردة منذ ان اسقطت الحكومة السابقة. بل ان عجز قوى 14 آذار عن طرح الثقة بالحكومة او حتى بوزير منها، تقهقر عن المشهد امام افراط خصومها الاكثريين الحاليين في سياسة التبرير والاستناد الى مخزون الماضي وعدم التجرؤ على الحاضر من السياسات والملفات والقضايا والازمات المتراكمة. ولنقل ان الغالبية وان اظهرت "قدرة قتالية" في نقل المعركة الى ما وراء متاريس خصومها، فانها في المقابل بدت مفتقرة تماما الى ادنى قدرة للتعامل مع "ارضها" وساحتها وخريطة طريقها. فكيف تكون بذلك مؤهلة لقيادة السلطة نحو المرحلة الفاصلة عن الاستحقاق الانتخابي؟ ثم ان ادنى معايير المحاسبة الجادة تملي على الغالبية المضي قدما في محاسبة "الارث الثقيل". وما دامت محاسبة الحكومة الحالية تصطدم بعجز المعارضة عن اسقاطها، فأي مادة انتخابية افضل للقوى التي نبشت هذه البئر ان تستظلها في التهيئة للانتخابات المقبلة. فهل تراها تكمل الى نهاية الشوط، وبأي آليات، قبل ان يستفيق الناس على ازدواجية المعايير؟
