في المحاضر الرسمية تحوّلنا الى مجرمين ومفجّري كنائس، وفي الحياة العامة، أصبحنا مطاردين من النظرات المسكونة بالشك والريبة. ضاقت الدنيا فينا في تلك اللحظات القاسية المروّعة. أقتادوا سمير جعجع الى السجن، طنطن الخبر. حوّلوا القائد الكبير الى سجين برقم صغير في زنزانة. هكذا ظنوا. أذكر ذاك النيسان. كلّنا تحولنا الى مشاريع أسرى وزارة الدفاع، عرش المخابرات السورية. دوريات الجيش كانت تجوب بكثافة في كل المناطق، وخصوصا في جونيه وعين الرمانة والاشرفية، ورغم ذلك بدت الشوارع فارغة، كان ثمة صمت مريب ينذر بعاصفة مخيفة. فجأة صار الكل غرباء، الكل لاذوا الى الترقّب في بيوتهم، اقفلوا الابواب والشبابيك، غلّوا في الانزواء وتسمّروا أمام التلفزيون، وكأنهم أقفلوا باحكام بوجه بعضهم البعض، بوجه خطر كبير كبير كان محدقا بهم، وينتظر اللحظة المناسبة لينقضّ عليهم.
بدت الشوارع رمادية يسكنها ضجيج الغربة. كل من يمشي كان مشتبه به، لمجرد التنفّس لمجرد التعبير عن الخوف. كانت لحظات الخوف العظيم. شعرنا لوهلة ان العالم توقف هنا عند باب الزنزانة التي أغلقت على سمير جعجع و"القوات اللبنانية".
أذكر يومذاك غضب أبي على جعجع "ليش عِمل هيك، رئيس الجمهوريي بعتلو خبر تـ يفل ليش ما فلّ متل غيرو؟ ليش عِمل هيك بحالو؟ أكيد ما رح يطلع طيّب من الحبس رح يقتلو جوا"، وطلب مني أبي بحزم أن أترك الحزب، "ما تشغليلي بالي"، قال.
خوف اللحظات الاولى في اليوم الاول للاعتقال، بدأ يتحوّل تدريجا الى شيء آخر لم نحسب له حسابا، أو على الاقل لم نخطط له من قبل. الخوف تحوّل تحديا، والاعتقال حرية، والعمل الحزبي السري صار هو النضال الحقيقي. كانت تصلنا أخبار الحكيم، نتقصى عنها من هنا وهناك، نستفسر عن التفاصيل الصغيرة، عن طعامه الذي قد يصله يوما مسمما، عن وسائل التعذيب او الترهيب. كنا نعرف ماذا يجري مع الشباب الذين اعتقلوا مع الحكيم او تباعا في الفترات اللاحقة. أصواتهم المعلّقة على عذاب البلانكو، كانت تصل الى مسامعنا، تمزّقها، تحرق قلوبنا ولكنها لا تطفىء الشعلة.
كنا في سرّنا نخشى أن ينهار الحكيم، أن يضعف ويتحوّل تحت وطأة التعذيب، الى واش او عميل للسلطة، أو أي شيء آخر الا سمير جعجع الذي نعرفه. لم نكن نريد أن نراه في صورة انسان ضعيف مغلوب على أمره، نسينا ان القادة هم أيضا من البشر، ولهم أيضا لحظات خوفهم وضعفهم وربما استسلامهم، لكنه هنا تحديدا أسكتنا جميعا. أسكت الحيرة الخائفة التي أضاعت ايماننا لوهلة. لم يستسلم سمير جعجع، صمد. خاف بالتأكيد. خاف كثيرا حين كانوا يسمعونه صراخ الشباب والات التعذيب تلهو بالامهم. خاف على لبنان، خاف علينا، ولكنه بقي سمير جعجع كما في مركز القيادة كذلك في الاسر، ولم تحجب الطبقة الثالثة تحت الارض وهج الاسير الحر.
دخل جعجع حكاية السجن الذي تحوّل الى حكاية نضال نادرة، ودخلت "القوات اللبنانية" في نضال مرير ضمن معركة حريات غير متكافئة على الاطلاق، مع احتلال لا يرحم، ونظام أمني شرس خطط ونظّم للقضاء على كل نفَس حرّ، لكنه أخطأ. خطأ استراتيجي مدمّر، لم يقدّر قوة عدوه. ظن ان القوة في السلاح فقط، هذا منطق المحتل المدجج بالنار الاعزل من الحق. لا "القوات" توقفت تحت وطأة التعذيب، ولا سمير جعجع تراجع عن سمير جعجع ونضال "القوات". هو ناضل من سجنه الصغير، والشباب من السجن الكبير، ليصوغا معا قصة مقاومة جميلة بتفاصيلها الموجعة والحلوة، فخرج من السجن بأيام قليلة، وان بقي تحت أكثر من 11 سنة.
مرة اخرى وتكرارا، سمير جعجع أنا أحبك بالتأكيد، لكن الاهم اني أحترمك أكثر بكثير.
