#adsense

تعنّت الحقيقة وحكومة “الجثث الحيّة”

حجم الخط

« Jamais encore la vérité ne s’est accrochée au bras d’un intransigeant » de Friedrich Nietzsche

"لم يحدث من قبل أن تأبطت الحقيقة ذراع متعنّت"، لفريدريك نيتشه.

عندما تابعت جلسات المناقشات العامة تحت قبّة البرلمان، أدركت أن ما قاله الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه غير صالح في وطننا لأن في لبنان تتأبط دائماً الحقيقة ذراع المتعنّت المتمسك بما يعتقده صواباً.

لم يخجل نواب "تحالف تقاسم السلطة"(الموالاة) من اعتلاء منبر السلطة التشريعيّة الموكلة أساساً مراقبة العمل التنفيذي ومحاسبة الحكومة الحاليّة، ومن كيل الاتهامات بحق الحكومات المتعاقبة، مسائلين تلك الحكومات في ملفات سئم اللبنانيون من سماع الجدال بشأنها. فيما تجدر الإشارة إلى أن أغلبيّة وزراء الحقبة السابقة التي أصرّ نواب "تحالف تقاسم السلطة" على تسميتها "التركة الثقيلة"، يجلسون اليوم في ربوع هذا التحالف المشكّل للحكومة.

لذلك لنا على خطاب هؤلاء ملاحظات عدّة:

1- "الترويكا": غريب كيف لم يخجلوا من انتقاد الحقبة السابقة في حضرة أحد أبرز أقطاب "الترويكا" جالساً في مقعده على رأس السلطة التشريعيّة. اعتلى هؤلاء المنبر يهاجمون الرئيس فؤاد السنيورة متهمين "تيار المستقبل" بالوقوف وراء كل المشاكل الماليّة والتنظيميّة والإداريّة في الدولة اللبنانيّة، فيما لم نسمع ولو لمرّة واحدة في حديث هؤلاء عبارة "ترويكا" وكأنها لم تكن. ونحن للتذكير فقط ولإنعاش ذاكرة هؤلاء نشير إلى أن هذه "الترويكا" هي التي حكمت البلاد بإدارة سوريّة، ولم يكن لبنان "إمارة للمستقبل" كما ادعى بعضهم. لذا الأجدى بهؤلاء عدم اتهام الناس بالفساد، وهم يجلسون في ربوعه هذا إن لم نأت على ذكر ما لمسناه لمس اليد من ممارسة الإصلاحيين في السلطة وروائح الفساد والصفقات.

2- "التركة الثقيلة": في المبدأ يتكلم المرء عن تركة ما عندما يرمى على كاهله أمر ما رغماً عنه بحكم الظروف والواقع. أما في موضوع هذه الحكومة فما يتنطحون به من "تركة" لم يرم على كاهلهم رغماً عنهم. فهل نسوا انهم أسقطوا حكومة الرئيس سعد الحريري وعملوا على تأجيل الإستشارات النيابية الملزمة وأنزلوا أتباعهم من أصحاب القمصان السود لـ"يتنزهوا" في أزقة بيروت كي يتمكنوا من الإنقلاب على اتفاق الدوحة واستلام سدّة السلطة التنفيذيّة؟ هذه التركة أليست بجزء منها نتيجة إقفال مجلس النواب وعرقلة عمل الحكومة وتعطيل المؤسسات الرقابية، وأليس هم من منعوا إقرار الموازنات منذ العام 2006؟!

3- "في التضليل": ادعى نواب "تحالف تقاسم السلطة" أن المعارضة تمارس التضليل الإعلامي. ومن هنا نسأل: هل بمساءلة الحكومة الحاليّة وإعلان ما توفّر من معطيات في القضايا الشائكة التي تهم المواطن يكمن التضليل؟ أم تحوير النقاش من المساءلة إلى مهاجمة الحكومات السابقة؟ فإن كان ما يعلنه نواب المعارضة كذب وافتراء وتضليل لماذا لم يتبرع نائب واحد من بينهم ويظهر لنا بالأرقام أين يكمن الكذب والتضليل؟ إلا أنهم لجأوا فقط إلى عرض ما توافر لديهم من أرقام عن الحقبة السابقة، فيما نحن اليوم في صدد التكلم عن صفقات وفساد من المازوت الأحمر مروراً ببواخر الكهرباء إلى موضوع الـService provider!!! المحصلّة في هذه النقطة، أن ما تجسّر نواب "تحالف تقاسم السلطة" على القيام به هو التضليل الإعلامي بذاته واستعمال الهجوم على الحقبة السابقة من أجل التعمية على حقيقة هذه القضايا.

كنت أشاهد جلسات المناقشات العامة ورئيس هذه الحكومة ووزراؤها يجلسون مستمعين لكلمات نواب المعارضة، وكأن ما يقال بهم شعر ومديح. غريب كيف أن هؤلاء لا يستفزون من هذا الكلام. غريب كيف أنه لا يتحرك فيهم شعور واحد يدفعهم للإنتفاضة إلى كرامتهم المهدورة بين صفحات ملفات الفساد والمذوبة في صفائح المازوت الأحمر. فعلاً غريب! أوليست الحياة وقفة عزٍّ؟ الحقيقة أنني عدت لأدرك حقيقة هؤلاء عبر قراءتي ما كتبته المفكرّة السياسيّة الألمانيّة – الأميركيّة حنة أرنت (Hannah Arendt) عن النازيّة في كتابها "جذور التوتاليتاريّة".

فعلاً، إن هؤلاء ينطبق عليهم وصف أرنت للنازيين بأنهم "جثث حيّة" (Cadavres vivantes) لا يشعرون ولا قيم إنسانيّة لديهم. لقد تخلوا عن كل القيم الإجتماعيّة ومضوا في حياتهم مرتكزين فقط على مصالحهم الشخصيّة بغض النظر عن أي شعور وطني لأن الإنتهازيين لا وطنيّة في قاموسهم. سأحجم عن إكمال وصفهم بما أكملت أرنت وصف النازيّين به من "بقايا بشريّة" (Déchets humaine) لفظها المجتمع البشري، إلا أنني اشاطرها الموقف في أن امثال هؤلاء وصلوا إلى حال "تفاهة الشر" (Banalité du mal)، فقد أصبح من السخافة لهم ارتكاب شر ما لأنهم اعتادوا ارتكاب ما هو أسوأ من الشر.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل