#adsense

مصطفى جحا… من الأب إلى الإبن: لبنان أولاً

حجم الخط

كان ذلك منذ ثلاثين عاما…

افقت وانا على سرير المستشفى اصارع سكرات الموت بعد ان مر طريق فلسطين بداري، وكان قد مر في جونيه وعيون السيمان قبل ذلك وبعدما ترك في اسرتي جراحا ما زالت تنزف حتى اليوم! افقت وانا على السرير لأجد شخصا يقبلني ويبكي، ويقول الحمد لله عالسلامة، ولم اكن اعرفه، وعلمت بعد انه مصطفى جحا الذي حمل راية "لبنان اولا" على اعمدة الصحف منذ 23 نيسان سنة 1975، وخطفته بعد ذلك المنظمات الفلسطينية.

وعرف مصطفى بالتصدي للشعارات الترانزيستورية المعروفة "بأننا عائدون" وكانت افكاره مثل مشاريع قرارات مجلس الامن تنال غالبا اصوات المقموعين والمضطهدين، ولكنها تصطدم "بالفيتو" الروسي. خلال ذلك الزمان الرديء ولد مصطفى جحا كوردة بيضاء جميلة في صحارى الملح والعطش.

وأثارت شهامة ادمون رزق موضوع خطف مصطفى جحا في هيئة الحوار التي انعقدت في السرايا في ذلك الوقت فهاجم الشعارات التي يستخدمها الطغاة العرب لتنظيف احذيتهم. وكنت وقتها حاضرا برفقة الرئيس صائب سلام مستشارا له. ورفع رزق بجرأته اصبع الاتهام ليقول لكل الزعماء المجتمعين حول طاولة الحوار، ويخص الزعماء المسلمين بالقول: اين مصطفى جحا؟ ويضيف: انا لا اعرفه ولكنه صاحب رأي حر ينادي بلبنان اولا، لبنان المستقل عن اي وصاية واي ولاية، واين انتم يا زعماء المسلمين؟ انتم مطالبون بحرية مصطفى جحا قبل سواكم، مصطفى هو الصوت المسلم الوحيد الذي يدوي في سماء لبنان! ولكن الزعماء، كل الزعماء كانوا يعانقون وسائدهم وينامون والرياح تلطم نوافذهم بلا هوادة.

وفي اليوم التالي كان لبنان يتحدث كله عن مصطفى جحا ويستنكر. وتحرك زعماء الاسلام السياسي فاضطرت منظمات التحرير عن طريق جونيه وعيون السيمان الى الافراج عنه، فعاد مصطفى جحا الى قلمه وعاد يدوي وحيدا في سماء الاسلام السياسي اللبناني!

ومرت الايام وصرت انا ايضا اغرد خارج سربي، وحدث ما حدث لي.

وتركت لبنان بعد ان خرجت من المستشفى الى فرنسا، وبقيت على اتصال بمصطفى الذي بقي يلح علي في العودة وكله آمال في لبنان الحر السيد المستقل! الى ان علمت، وانا في فرنسا، ان مصطفى الذي لم يكل ولم يمل، اغتالته على الطريق العام مجموعة من المسلحين! وبكيت وقتها هذا الرجل الوطني المؤمن بلبنان، وبكيت اكثر حين سمعت الزعيم "المتقلب" المعروف يقول انه "كان يجب قتل مصطفى جحا من زمان لنكنس الزبالة من شوارعنا".

ونسي لبنان واللبنانيون مصطفى جحا، فأكثر اللبنانيين لا يذكرون اصحاب "الحماقات" الوطنية خاصة وان مصطفى ليست له اموال تحميه ليحاكم قتلته، وليس هناك دول ولا ميليشيات خلفه ولا اسلحة ولا… ولا…. ولا… واذا كان الذي قتل بشير الجميل حين اختلف مع اسرائيل على الصلح في نهاريا، لم يحاكم، فكيف نحلم بمحاكمة قتلة مصطفى جحا؟ وتكرس مبدأ الافلات من العقاب!

وبعد اغتيال المغفور له رفيق الحريري، تغيرت كل المعادلات، وصار شعار "لبنان اولا" شعار الاسلام السياسي السني وشعار نصف المسيحيين، بهمة العماد عون (سامحه الله).

ورفعت صور شهداء المخابرات السورية في "ثورة الارز"، ولكن شهداء طريق جونيه وعيون السيمان لم ترفع صورهم، ولم يذكرهم احد، ذهبوا فرق عملة! من مصطفى جحا الى جمانة ابنتي الى كل من رفع شعار "لبنان اولا" في ذلك الزمن الرديء، ورحلت مقاومة تحرير فلسطين عن طريق جونيه وعيون السيمان ليأتي بعدها ومكانها مقاومة تحرير فلسطين من الطريق الجديدة! من "المقاومة" الفلسطينية الى "المقاومة الايرانية"! ويبدو ان المقاومة عن طريق جونيه لم تشبع بقتل مصطفى جحا فجاءت المقاومة عن الطريق الجديدة لتحاول قتل ابنه… مصطفى جحا الشاب الذي حمل راية مصطفى جحا الاب وتابع طريق والده، "لبنان اولا"، ولكن الرصاصات الخمس لم تتمكن من اختراق جسده كما فعلت بمصطفى الاب!

يا عزيزي مصطفى الابن، لا تيأس، فنحن تحملنا الويلات ليس من اعدائنا واعداء بلدنا فحسب، بل ممن زعموا انهم حلفاء راياتنا.

من سمع بمصطفى جحا خلال عشرين عاما منذ قتل؟ من سمع من جيل الترف والمال والحروب التلفزيونية والسرقات والنهب والوجاهات، من جيل الخيانات، من جيل العمولات، من جيل النفايات، من جيل الدعارة… من لفظ اسمه؟ كان مصطفى جحا يقول كلاما يشبه رائحة العطور عن لبنان وحفظ للبنان كبرياءه وبقي من مصطفى زيت هو اطهر من زيت المعابد.

يا عزيزي مصطفى الابن، لا تيأس، بعد سقوط مصدر الشر عند الجار، غدا سيبزغ نور جديد للبنان، يعرف قيمة مصطفى جحا الاب والابن وكل من حمل في قلبه وصدره ودمه شعار "لبنان اولا".

طال الانتظار، ولكن القيامة ليست بعيدة، فينهض لبنان آخر بسواعد الرجال وبالطهارة.

انه يوم ليس ببعيد، يوم تعرف قيمة مصطفى جحا الاب والابن.

المصدر:
النهار

خبر عاجل