حكومة مسلّحة تعيش من "حلاوة الروح" تستحق أن يدوم حكمها وأن تحتفظ بثقتها لنفسها.. بعد ثلاثة أيام من المواجهات الكلامية انتهت بتكريس السلاح و"القيل والقال" حول "إرث ثقيل"، خلصت الى أن الكل "شال إيدو" من الحكومة الميقاتية النجيبة. في عمارة "مدرسة المشاغبين" أدارت الحكومة ظهرها للمواطنين، وتنصّلت من كل مسؤولياتها ملقية اللوم على الحكومات السابقة.. حسناً فعلت بالهروب، فبحسب المثل اللبناني "الهريبة ثلثين المراجل" والمراجل هي تلك التي يرتكبها "أبو المراجل" الحكومية.
ماذا سيتبدل بعد هذه النقاشات؟ لا شيء. لأن الحكومة لن تسقط ديموقراطيا نظرا الى السلاح الديكتاتوري المسلّط على رؤوس اللبنانيين. فوجود السلاح مؤثر في بقائها، فيما وجودها يساوي غيابها. حكومة تنأى عن وجودها وغيابها، تختبئ وراء إصبعها وأي إصبع اختارت لمواجهة الشعب؟! مناقشة عامة في مجلس النواب شبيهة بـ "حوار الطرشان" يرمي كل مصائب الدولة فوق هامة الرئيس الشهيد رفيق الحريري.. يتلطّون خلف حقدهم على إرثه، هو ليس "إرثا ثقيلا" إنما هم يرفضون الإعتراف بأنهم ما كانوا يوما "قدّ الحملة" وليسوا بارعين أو بالأحرى انهم فاشلون في إدارة الأزمات وانتشال لبنان من على حافة الهاوية كما فعل الرئيس الشهيد بعد الحروب التي ارتكبها بعض المشاركين في هذه الحكومة.
حكومة الافتراءات والرشاوى والنأي بالنفس والإضطرابات وإباحة الحدود.. حكومة تفوح من بعض من فيها رائحة الفساد السياسي والإقتصادي والإجتماعي والمعيشي والغذائي والتربوي والقضائي.. حكومة الإغراق الوطني في مواجهة كل القرارات العربية والدولية كرمى لعيون النظام السوري وسلاحه في الداخل.. حكومة "كل مين إيدو إلو"، نعم تستحق أن يدوم حكمها المتآمر القابض على انفاس الشعب. ويا لفرحة الشعب التي لا توصف، شعب سئم الإستماع الى نقاشات فلكلورية لأنه عارف بأن الحكومة التي جرّدته من أمنه الشخصي والغذائي والصحي، لن تسقط ولن تُسحب منها الثقة.
لم يكن اللبنانيون بحاجة الى الإستماع أصلا الى كل هذه الأحاديث التي تناولت اتهامات شخصية واستفزازات فردية ومذهبية.. فمنذ اللحظة الأولى كان وقع الكلمة التي ألقاها رئيس الحكومة مخيّبة للآمال، وانطلاقا من أنه "أوّل دخولو شمعة طولو" فالنهاية طبعا لن تكون أفضل. من هنا كان اختيار المواطن اللبناني بأن ينصرف الى تأمين لقمة عيشه حتى لا تَصرِفَه الحياة الكريمة من دارها المتواضع.. وتطبيقا لاستراتيجية "وحدة بوحدة"، أدار فيها المواطن أذنه "الطرشاء" الى حكومة أثبتت أنها لا تحظى بذرة ثقة، بعدما كانت نأت بنفسها عن همومه حتى قطعت عنه "النَفَس"، ثم وضعته وسط نظرية المؤامرة.. وها هي تشرح أسباب المشكلات الأخيرة التي بلغتها وتلقيها على عاتق كل الحكومات السابقة.
ماذا بعد؟ حكومة "شريفة عفيفة" تستحق بالفعل أن يأتمنها اللبنانيون على حياتهم وأمنهم ومصير أبنائهم، حكومة لن يدقّ لها المواطن ناقوس الخطر، إنما سيقرع لها طبول الإضرابات التي تعم لبنان "بالجملة" بعدما فشل رئيس الحكومة في "ضبضبتها" قبل فترة الأعياد. أما الأخير فلا بدّ لديه الكثير من التفسيرات والردود حول ما تفشل حكومته في مواجهته نظرا الى إنشقاقاتها بعدما انقلب السحر على الساحر و"تفرّق العشاق".
في حالة واحدة، تستحق هذه الحكومة أن تستمر في حكمها: إذا نجح القيمون عليها في إقناع اللبنانيين بأن يعيشوا في ظل عتمة قاتمة وصيف حار، بأن يتعايشوا مع كل ما هو فاسد، بأن يتآلفوا مع السلاح، بأن ينأوا بأنفسهم عن العيش بكرامة، بأن يتخلوا عن دعم ديموقراطية الشعوب العربية وحقّها في تقرير المصير.. جددت الحكومة ثقتها بنفسها، ولن تستطيع مهما فعلت أن تنال ثقة الشعب بها، مهما شرحت وعلّلت وبرّرت وفصّلت وفنّدت لن تقنع المواطن اللبناني بمنطقها الذي لا يقرب المنطق إلا من وجهة نظرها، ويبعد عن المنطق العام بُعد الثريا من الثرى..
نواب 14 آذار مرتاحو الضمائر لانهم لم يشاركوا في مسرحية "السلاح والثقة" في العام الماضي. الشعب من جهته سيثبت في صناديق الإقتراع في العام المقبل، أن المسرحية الصامتة التي لا يتحرك الممثلون فيها سوى للرقص على جثث الشهداء ما عادت تجدي. حكومة "ربطة العنق"، التي تلعب دورين متماشيين في "الديكور" و"لفلفة" العقدة، ستحاول تضييق الخناق أكثر فأكثر في الفترة المقبلة.. حكومة "ربطة العنق" عليها أن تتحضر لمواجهة العصيان الشعبي والنقابي الذي غذّته طيلة فترة حكمها بكل ما أُوتيت من "سلاح". راح الكثير وما بقي سوى القليل.