لعلّ الإشادة بأداء رئيس مجلس النواب نبيه بري في إدارة الجلسات – وقد استحقها فعلا – تأتي من باب تحصيل الحاصل بعد عشرين عاماً على تربعه على كرسي رئاسة المجلس. ولكنه بالفعل كان مدعاة إعجاب مميز في الجلسات الأخيرة من خلال تدخله في اللحظات المناسبة متصدياً لعبارات وردت على لسان بعض النواب خلال المناقشة العامة للحكومة، وهذه العبارات إن دلت على شيء، فإما عن سوء تقدير أو عدم فهم لمعانيها وتداعياتها، وإما أن مطلقيها تعمدوا تعميم ذلك الجو الطائفي والمذهبي المقيت، وفي الحالتين بدا الواقع كارثياً… كان نبيه بري في تلك المداخلات صمام أمان حقيقياً الى درجة ان كل من تابع الوقائع كان يخشى حصول صدام إذا اضطر الرجل الى مغادرة القاعة لدقائق!
وأروع المداخلات كانت عندما تدخل في اللحظة المناسبة محاولا لجم جموح في عبارات أحد اعضاء "تكتل التغيير والإصلاح" النائب ألان عون، ومنعه من المزيد من الجنوح نحو عبارات ذات منحى طائفي ومذهبي، شكلت في الواقع صدمة لكل من كان لديه انطباع عن ذلك الشاب (ابن اخت رئيس التكتل النائب ميشال عون) أنه هادئ ومنفتح!
ومرة جديدة ثبت لكل مراقب بما لا يقبل الشك أن ليس أبرع من نواب التكتل العوني، رئيساً وأعضاء، في خدمة خصومهم السياسيين، ولقد أبدعوا في تقديم خدمات لكل من شُبّه لهم أنهم يحاولون تحطيمه، وقدموا أكثر من خدمة "عثمليّة" لكتلة "المستقبل" عندما هاجموا بشكل مبرمج ومركّز ما يسمونه "العهد الحريري"، وقد بلغ الأمر ذروته باكتشاف عبارة "أمة المستقبل" على لسان النائب نفسه إذ شطب عمداً وعن سابق تصور وتصميم، ومن "الأمة" نفسها، كل سياسي آخر من شأنه أن يشكل اختراقاً لـ"الآحادية" التي يدعون محاربتها. وعلى سبيل المثال لا الحصر، لا مكان عند هؤلاء لسليم الحص ولا لعمر كرامي ولا حتى لحليفهم عبد الرحيم مراد، ولا حتى… لنجيب ميقاتي!
وأبدع هؤلاء عندما حولوا الجلسات حصراً محاكمة لتلك الحقبة دون مراعاة أي حرمة أو مشاعر، فنجحوا بتفوق في نبش القبور واستحضار مناخات كتلك التي سبقت الانتخابات النيابية عام 2005 والتي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وخاضوا بتفوق أكبر المعركة الانتخابية لكتلة "المستقبل" من حيث يدرون أو لا يدرون…
وعلى اعتصامه بحبل الصمت، بدا رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لاعباً ماهراً إذ تجنب الخوض في سجالات، مفوّتاً على خصومه فرصة الاستعراض وعرض العضلات.
وأخيراً، هل كان سامي الجميّل، النائب الوحيد الذي، ومن داخل قاعة المجلس، كان يفكر في ما يقوله الناس عن المستوى المتدني للخطاب السياسي أو بعضه؟ على الأرجح، لا!
