مصارحة الذات ضرورية في كل وقت، لكنها في هذا المنعطف من "الربيع العربي" صارت كثيرة الإلحاح. تحديداً "الوضع" في مصر وسوريا، لكن أيضاً في لبنان.
فقد تجاذبت المراقبين أهواء تحليلية عدّة في الفترة الأخيرة. وهذه الأهواء يمكن تلخيصها في مجموعها بأن مثقفاً ليبرالياً نمطياً كان يمنّي النفس بأن يسلك "الربيع العربي" مساراً يقارن بعمليات التحول الى الديموقراطية الليبرالية في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية وبعض بلدان جنوب آسيا، ناهيك عن "النموذج التركي".
وكان هذا المثقف الليبرالي النمطي يعتقد أنه أوفى الواقعية حقّها بمجرّد أنه جمع بين النظرة المتفائلة بالمسار الإقليمي الديموقراطي العام، وبين النظرة النضالية المتقبّلة لمرارة الكفاح يوماً بيوم، والمستعدّة لملاقاة مطبات كثيرة على الطريق، بما قد يجبر على التوقف أحياناً، والتراجع أحياناً أخرى لو استدعى الأمر.
لكن في النهاية، كان هذا المثقف الليبرالي النمطي يطمئن نفسه ومن حوله بأن الديموقراطية أقبلت ولو طال الانتظار، وأن شعار الحرية السياسية جاء متخففاً من أي فاتورة اجتماعية أو حماسة قومية ما يجعله هذه المرّة حراً طليقاً، وأن الإسلاميين العرب، إما أن يعتمدوا التجربة الأردوغانية، أو يخرجوا من السباق ويتجاوزهم التاريخ.
ثم جاءت انتخابات تونس، وتصدّرُ إخوانيي "النهضة" للنتائج، فأحبط هذا المثقف النمطي، لكنه سارع الى النظر في النصف الممتلئ من الكوب. قال ان هذا النصف الآخر الذي لم يصوّت للاسلاميين في تونس هو قسم يشبهه، ثم قال إن الاسلاميين التوانسة هم الأقرب الى النموذج التركي، ثم توقع أن النتائج ستكون مغايرة في مصر، فلما صدرت تلك الأخيرة أصيب بالصدمة، ولما استأنف النظام القديم في مصر حيويته السياسية دهمته الحيرة، وزادت الصدمة والحيرة مع ارتفاع درجة "أسلمة الشعارات" في الثورة السورية.
هذا كله فيما المثقف الليبرالي النمطي يتأخر عن طرح السؤال الذي لا فائدة من إرجائه. من كانت الانظمة العربية تقمع في الثلاثين سنة الأخيرة؟ الليبراليون؟ أحياناً قليلة. اليساريون؟ في المناسبات. لكن من كانت تعج به السجون والمعتقلات وأقبية التعذيب في كل مكان تقريباً من العالم العربي؟ الاسلاميون، والاسلاميون فقط. الاسلاميون على أنواعهم.
في الوقت نفسه، ما الذي كان يطالب به الاسلاميون في هذه الثلاثين سنة الأخيرة؟ حقوق الانسان؟ لا، كانوا يرفضونها بحجة انها تشريعات وضعية زائلة لا قيمة لها. كانوا يطالبون النظام العسكريتاري الذي يقمعهم، والذي يقمع المجتمع بأسره في الوقت نفسه، بأن يخرجهم من السجون، لكن ان يزيد من قمعه للمجتمع نفسه وخصوصاً النساء.
وعندما كان النظام يتجاوز كل حد في قمعهم، كان الاسلاميون بين خيارين. إما الشعور بوحدة حال تجمعهم بالمجتمع المقموع، بما قد يطوّر وعياً بالديموقراطية، يمكن ان نتتبع تبلوره التدريجي في خطاب تيار وازن في الاخوان المسلمين السوريين، وإما في المقابل الشعور بانقطاع الحال مع المجتمع، بما قد يغذي الميل الى تكفيره بشكل أو بآخر.
وفي هذه العقود الثلاثة الماضية، ماذا كان يفعل الليبراليون واليساريون و"التقدميون" اجمالاً؟ لم تكن هناك "تأميمات" تطال العمود الفقري لليبرالية كما في المرحلة الناصرية، ولم تكن هناك معتقلات مكرّسة للشيوعيين واليساريين كما في جزء من المرحلة الناصرية ايضاً. كان الليبراليون واليساريون، والتقدميون اجمالا، طليقين، لكن في وضع ملتبس. هذا أقل ما يقال. وكانوا يتفلتون من هذا الالتباس، اما لاختيار احد جانبي المعادلة، العسكر او الاسلاميين، واما للانصراف الى تجريدية "لا مع هذا، ولا مع ذاك".
هناك بالتأكيد، قسم أساسي من كل مجتمع عربي، بل قسم أكثري عددياً، لا تروق له طروح الاسلاميين حتى لو "تأردغنوا" (نسبة الى رجب طيب اردوغان وتجربته). الا ان الوهم الذي يعبّر عنه الليبراليون واليساريون العرب بسذاجة بالغة احيانا، هو انهم يمثلون هذا القسم. العسكر أيضاً، ورواد الخطاب "الحلف أقلوي" يقولون ذلك على طريقتهم هم أيضاً، لكن بخبث كثيف، وبحماقة أساسية: اذ لا قابلية للعودة الى ما قبل اشعال البوعزيزي النار في نفسه، ولا "استقرار" مزمناً يمكن التبشير به، في اي وجهة كان. كما لا "انحدار" مريعاً يمكن التهويل به لتبرير غايات دنيئة تصب في خانة تبرير قتل الناس، كما في سوريا. بمعنى آخر، لا أحد يسيطر على مجرى "الربيع"، بل ان "الربيع" ما كان ليحدث الا لأن منظومات السيطرة الداخلية والخارجية قد هرمت، أو تصادمت مع بعضها البعض في مسعاها الى الإفلات من الهرم.
ان الواقع العربي، خصوصاً في مصر وسوريا، هو اليوم وضع جدلي بامتياز، وما لم تسبق رؤيته بعد لن يكون حتماً في عداد ما سبقت رؤيته، أو ما سبقت لنا رؤيته يتكرّر.
لكن ماذا عن الحالة اللبنانية؟ الآن، لا جواب!
