Site icon Lebanese Forces Official Website

إنحطاط القيم والخطر على السلم الأهلي

إختتمت جلسات المناقشة النيابيّة مساء الخميس الماضي على مشهد من نصفَين.
نصفُ المشهد «قرف» كما قال رئيس المجلس نبيه برّي نفسه، ونصفُ المشهد خطرٌ محدق وآت على صورة داهمة.

أمّا النصفُ الأوّل، أي «القرف»، فقد أشاعه ذلك الانحطاط الأخلاقي القيميّ الذي عكسه وعبّر عنه معظم المتكلّمين من التكتّل العونيّ. وفي هذا الانحطاط أنّ نوّاب الجنرال زوّروا التاريخ فما حاكموا في المجلس، ولم يحاكموا في الأصل، حقبة الوصاية السوريّة، بل برّأوا النظام السوريّ مرتين على الأقلّ: مرّة خلال وصايته على لبنان، وثانيةً عندما زعموا أنّ «سوريّا صارت في سوريّا ولم تعُد في لبنان». وفي الانحطاط أيضاً أنّ هؤلاء على خطى الجنرال يمارسون السياسة بالأحقاد على كلّ الفرقاء السياسيين الذين يختلفون معهم من جهة، لكنّهم يمارسون السياسة على أساس التبعيّة لمن يعتبرونه قوياً لا يردّ له طلب من جهة أخرى. وفي الانحطاط أيضاً وأيضاً أنّهم لا يوجّهون أحقادهم إلّا باتّجاه من قدّموا للبلد شهداء اغتالتهم الوصاية وأدواتها. وفي الانحطاط هذا يمتزج الحقد بالفجور بالخروج عن الآداب العامّة… بالفساد الطالع من ممارساتهم ومن دفاعهم عنها. انحطاط يُسجّل في خانة هذا التيّار الذي أعمل معاول هدم القيَم بقيادة الجنرال منذ العام 2005، عندما وجد أنّ الدفاع عن مواقفه الملتحقة بمحور النظام السوريّ – «حزب الله» لا سبيل إليه إلّا بإنهاء قيم الصدق والحوار والأخلاق والخير العام… فهنيئاً لهذا التيّار كون السياسة اللبنانيّة لم تشهد من نوعه في تاريخها… حتّى في زمن الحرب اللبنانيّة وقد كان الجنرال فيها محطماً للرقم القياسي في الابتعاد عن أيّ قيمة أو معيار.

إنّ هذا الانحطاط على خطورته لم يكن الأخطر في المجلس النيابي.

فقد أتيح للبنانيين على مدى ثلاثة أيّام أن يعيدوا اكتشاف الانقسام الكبير وطنياً وسياسياً. غير أنّه وبدلاً من تلمّس «أمل» ما بإمكان الخروج من هذا النفق، استمع اللبنانيّون إلى أطروحات مدمّرة.

توالى نوّاب «حزب الله» على منبر البرلمان ليقولوا أمراً واحداً، وهو أنّ السلاح غير الشرعي مستمرّ ولا يحاولنّ أحدٌ الاقتراب منه أو «المزح معه»، أي لا يحاولنّ أحدٌ البحث في مصيره فهو «أبديّ». وحتّى النوّاب من «حزب الله» الذين حاولوا أن يصطنعوا لأنفسهم صورة «البرلماني المحاور»، فإنّهم قالوا بالحوار تحت سقف هذا السلاح الثابت. بل إنّ هؤلاء حاولوا الإيحاء بأنّ وضعهم مرتاح سياسياً، وبأنّ التطوّرات الخارجيّة تعزّز ذلك الارتياح. ويجب أن يقال إنّ هذه الأطروحة المكرّرة هي أطروحة حرب أهليّة. الردّ على ما يحصل من تطوّرات هو الإيغال في مشروع غلبة، أي في الحرب الأهليّة.

أمّا النوّاب العونيّون فكان منهم واحد، سعى خلال بضع سنوات إلى أن يقدّم نفسه «آدمياً حوارياً»، فإذا به يكشف عن «مشروع» منافٍ لمنطق وجود الكيان. وقد دعا هذا النائب العوني – الذي قيل إنّه ينافس الصهر على وراثة التيّار – إلى «حلف أقليّات» في لبنان. وما أفصحه عندما لفتَ إلى أنّ هذا الحلف أو التعاون الطائفي يفرضهما وضع «أمّة المستقبل»، قاصداً بذلك الطائفة السنيّة!. «حلف أقليّات» يضمّ الشيعة، مصنفاً الطائفة الشيعيّة أقليّة والطائفة السنيّة أكثريّة!. وإذا كان هذا النائب بدا أنّه لا يفقه حقيقة أنّ لا أكثريّة طائفيّة في هذا البلد، وبدا أنّه أدخل الشيعة في الحلف للاستقواء بسلاح «حزب الله»، فإنّ أطروحته أطروحة حرب أهليّة. والأنكى من ذلك أنّ ابن أخت الجنرال يفضح علنياً ما نقل عن خاله منذ بداية الأزمة السوريّة حول إحدى نتيجتين للصراع في سوريّا: إمّا بقاء الأسد وإمّا دولة تحالف أقليّات ما بين لبنان وسوريّا!.

في هذا الخضمّ، وفي ظلّ ما يعانيه لبنان من ضيق بالسلاح وبالاستقواء به، ومن ضيق بتجدّد الصدام الأهلي كلّ فترة من الزمن، ومن شعور بلا إمكانيّة العيش وسط هكذا معطيات، تقدّم النائب الكتائبيّ سامي الجميل بأطروحة حول «الدولة المحايدة التعدديّة اللامركزيّة» لأنّ أصل المشكلة يكمن في «النظام» ودولته المركزيّة كما قال. ومن الواضح هنا أنّه إذا كان النائب الجميل يفترضُ أنّ ما اقترحه هو الحلّ، فواقع الأمر أنّ أطروحة الفدراليّة أطروحة حرب أهليّة أيضاً.

غنيّ عن القول أنّ أطروحتي الحرب الأهليّة من ضفّة «حزب الله» والتيّار العونيّ تشكّلان محاولة تغطية على الارتباك الذي يعيشان فيه وسط التطوّرات الجارية عربياً وسوريّاً، وأنّ أطروحة الشيخ سامي ردّ فعل على الواقع القائم وإن كان يؤدّي إلى نتيجة مشابهة. لكن، للأسف الشديد فإنّ ذلك ما يُطرح على البلد في زمن التحوّلات الديموقراطيّة.

القرفُ قد تمكن معالجته في يوم من الأيّام. لكنّ خطورة الأطروحات السياسيّة تستوجب استنفاراً.

في خطابه أمام المجلس، حاول الرئيس فؤاد السنيورة من موقع التحليل الذي قدّمه للظرف اللبناني – الخارجي، أن يطرح نوعاً من «الهدنة» لإدارة الخلاف من ناحية ولدراسة أسبابه من ناحية ثانية، هدنة تهدّئ التوتّرات وتنشأُ على أساسها مرحلة انتقاليّة ما. واقترح حكومة محايدة لإدارة البلد حتّى الانتخابات.

لا شكّ في أنّ ما اقترحه الرئيس السنيورة ليس «الجواب»، لكنّه «بعض الجواب».

ضاع الطرح في مناخ الجلسة النيابيّة. والرئيس برّي «القرفان» لم يلتقط المطروح ما لم يكن لم ينتبه إليه أصلاً.

ومهما يكن من أمر، فقد وصف أحد الأصدقاء الجلسة بأنّها «تاريخيّة»، نظراً إلى ما تكشّفت عنه من واقع حال خطير.

السلم الأهلي في خطر، تزامناً مع انحطاط في نظام القيم إلى الحضيض. ولأنّه كذلك، يجب إنقاذه. فالجواب على ما يحصل من حول لبنان هو السلم على أساس الطائف والدولة والمسار الديموقراطي.

Exit mobile version