هل من يتصور أن الرئيس نبيه بري يمكن أن يطرح مشروعاً للإنتخابات النيابية، مع أنه يعرف مسبقاً، إن النسبية ليست الفكرة الأسلم وإن لبنان دائرة إنتخابية واحدة غير مقبولة، إلا إذا كان القصد من وراء حماسته القول عمن لن يأخذ برأيه انهم لا يرغبون في تطوير الحياة السياسية العامة في البلد، لاسيما إن المناخ المذهبي والمناطقي الطاغي على كل ما عداه يوحى وكأن الأمور سائرة إلى عدم إجراء الإنتخابات، بدليل معرفة الجميع إن تعديل الدستور لجهة الأخذ بهذا المشروع أوذاك من سابع المستحيلات!
هذا المشهد يكاد يوحي وكأن من يطرح هذا التطور أو ذاك لا يريد الإنتخابات، مع العلم إن كل ما عمله فريق «الوزير فؤاد بطرس» لاعتماد النسبية ظل حبراً على الورق، من غير أن يلغي إصرار جهات بارزة على العودة الى قانون العام 1972 «لأنه أسلم عاقبة من كل ما عداه»، ولأنه أيضاً أظهر الأمور السياسية في البلد مقروءة بوضوح مذهبي من المستحيل تجاهله مع انه لم يظهر أي وجه شيعي جديد، إلاّ من خلال مصفاة حزب الله، وحركة «أمل» اللذين الغيا مطلق إحتمال لأن يأتي نائب إلاّ من خلالهما!
هل تنطبق مواقف بقية الطوائف على الحال الشيعية في لبنان؟ الجواب يؤكد تماماً العكس في الحال السنية والدرزية، بحسب ما ينطبق نسبياً على الصراع السياسي المسيحي – المسيحي، ومن يدور في فلكه من متغيرات قد صبت في مصلحة التيار الوطني اكثر من غيره، بفعل التحالفات مع حزب الله والأحزاب الأخرى التي على تناقض واضح مع التوجهات ذات الطابع الإستقلالي، من جراء إرتباطات معروفة اللون الإقليمي بنسب مرتفعة!
أمام هذا الواقع، لا يصح الإتكال على فكرة النسبية كونها النقيض لما يمكن أن يحرر إرادة الناخب، وهذا محسوب بدقة في مناطق الجنوب، والبقاع (بعلبك – الهرمل) وبعبدا، فضلاً عن التأثير المذهبي الشيعي في جبيل وكسروان والبترون من غير أن ننسى القرار الحزبي – الديني في العاصمة بيروت؟!
هذا الواقع لا يحتمل دحضاً مهما إختلفت الآراء والإجتهادات من هذا الجانب أو ذاك، فيما هناك من يجزم بدستورها وقوانينها، بقدر إظهار البلد في حال من الشرذمة والتمزق السياسي وغير السياسي، إضافة إلى أن هناك من يصر على إعتماد التعقيد في مختلف مستوياته لمنع إجراء الإنتخابات لمجرد ان مشروعه لن يبصر النور، أو أنه في حال أبصر النور لن يؤدي الغاية المرجوة منه، باستثناء تكريس التفلت من فطوق الدستور القائم على التفاهم في القضايا والشؤون الوطنية!
الذين يقولون إن كل الأمور مباحة أمام البحث في ما هو مرجو، فإنهم يقفون حجر عثرة أمام كل ما من شأنه سيطرة السلطة على قرارها السياسي والأمني، وهذا محسوب بدوره على أساس رفض حزب الله، كي لا نقول، الطائفة الشيعية ككل مقاربة السلاح غير الشرعي ليس لأنه مخصص لمواجهة العدو الإسرائيلي، بل لأن من يقبض قادر على أملاء شروطه على الدولة. وكل ما يقال عكس ذلك يدل على خوف مقيم من مواجهة الحقيقة المرة والمدمرة في آن!
من سابق أوانه معرفة معدل رفض المشروع الإنتخابي القائم على النسبية أو لبنان دائرة إنتخابية واحدة، لكن المؤكد ان المشروع سيكون مدعاة إلى مزيد من التباين والشرذمة وتضييع البوصلة الوطنية، وهذه الغاية وسبب للبقاء في دوامة انعدام الوزن لما فيه مصالح أبعد مدى مما هو قائم؟!
