جاء اقتراح كتلة نواب القوات اللبنانية تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق بالانفاق المالي، للدولة منذ العام 1990 حتى يومنا هذا (…) ويناط بها ايضا التحقيق بصفقة «كهرباء البواخر» الامر الذي يلبي مطالب قوى اساسية في الموالاة لا تزال تحك على جرح الهدر والفساد (…) كما يلبي مطالب قوى اساسية في المعارضة كثيرا ما تحدثت عن سمسرات بملايين الدولارات لمصلحة جهة معينة!
المهم في هذا الاقتراح، انه يسمح بوضع النقاط على الحروف ويكفل بالتالي الخروج من دوامة الاتهام وادعاء البراءة، لاسيما ان جلسة المناقشة النيابية للحكومة لم تسفر عن ايجابية واحدة، باستثناء الكلام الذي ان ارضى البعض فانه قد اغضب البعض الاخر، فيما اعجب شديد الاعجاب من لم يتح لمجلس النواب ان يضع يده على مخالفاته، خصوصا اولئك الذين يزعمون انهم شرفاء بامتياز. وليس امام هؤلاء ومعهم السلطة التشريعية والتنفيذية سوى تشكيل لجنة التحقيق لكشف النقاب عن كل من سرق ونهب وساهم في الفساد. وهذا وحده يمكن ان يضع حدا للغط وللتشهير المجاني والتجاري في امور لها علاقة مباشرة بمصلحة الدولة وسمعتها ومؤسساتها!
الذين سمعوا من القوات اللبنانية، انها بصدد تقديم اقتراح تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق بما اثير ويثار على المسرح السياسي من فضائح، لا بد وانهم قد فوجئوا بالخطوة الى حد استبعاد العمل بموجبها، لانها لن توفر مرتكبا مهما علا شأنه. وهذا قد يشكل فضحا لكثير ممن يدعي العفة فيما هو ملوث حتى رأسه في سرقات واعمال سلب ونهب من الواجب والضروري كشف النقاب عنها، في حال كانت رغبة باصلاح وتغيير جديين وحاسمين!
اما وجه الاستبعاد في هذا السياق، فيعود الى كون التورط في الفساد المالي والاداري يكاد يكون شموليا، مع ما يعنيه ذلك من رفض مرتقب للاخذ باقتراح تشكيل اللجنة البرلمانية، حيث ينصب اهتمام بعضهم تكرارا على الافادة من البلبلة السائدة بنسبة اهتمام هؤلاء بتجنب كشف اوراقهم ومعها ضلوعهم في ارتكابات يستحيل على اي لبناني تخطيها مهما اختلفت الاعتبارات السياسية بما في ذلك ما يكفل الى الان تغطية عمليات الفساد، وهذا ليس مرتبطا ببعض الموظفين الصغار كونه طاول في مراحل كثيرة من بوسعه املاء شروطه للحصول على حصص في هذا المشروع او ذاك الصرف غير القانوني!
وفي حال صادف مشروع القوات اللبنانية قبولا نيابيا، اقله من جانب من يهمه تبييض سمعته فان اغلبية من تلاعبوا بمالية الدولة لا يزالون يتمتعون بقدرة مطلقة على منع المجلس من اقرار المشروع «لانه لا يصب في مصلحتهم (…) ولانه يؤدي الى تبرئة ذمم من يتهمونهم وهذا سيشكل احراجا لهم وفضحا لاتهامات انساقوا وراءها لاسباب شخصية ولمنافع آنية سياسية او مالية.
في الحياة السياسية – الرسمية اللبنانية، بعض القصص عن الاحوال المالية لمسؤولين تولوا مهام بارزة في جمهورية ما قبل الاستقلال وبعده، تبين بعد وفاتهم انهم كانوا على «الحديدة»، اي غادروا الدنيا من دون مال ولا رأسمال، ومن هؤلاء تحديدا الرئيس الفرد نقاش الذي عانى في اواخر حياته من الديون ما اضطر شخصيات رسمية لان تتكفل بمصاريف تشييعه الى مثواه الاخير!
كذلك، فان ايوب ثابت الذي تولى اعلى مناصب السلطة قد غادر هذه الفانية وهو مثقل بالديون التي تكفلت بتغطيتها البطريركية المارونية.
كما لوحظ انذاك ان ايوب ثابت لم يكن يملك منزلا ولا هو ترك عقارا وراءه، لاسيما ان قصة «كام بحمدون ذاع صيتها بعدما ابلغ من يعنيه الامر في بكركي انه متنازل عن دينه!»
المؤكد ان من تمتع بنظافة الكف من السياسيين والمسؤولين في لبنان هم قلة نادرة، مثلهم مثل قلة مماثلة من رجال الدين وقادة الاحزاب، وهذا مدعاة فخر لهم ولتاريخهم ولارثهم السياسي والشعبي والمناطقي.
في هذا السياق، لا بد من الاتيان على ذكر العميد ريمون اده الذي كان يوزع راتبه الوزاري والنيابي على بعض المحتاجين، من ضمن ما قيل عنه انه لم يسرق ولم يشترك في اي عمل فاسد (…) ولا هو مد يده الى مال حرام او تعامل مع العدو مباشرة او من خلال جواسيس كما فعل ويفعل غيره!
فهل يبصر مشروع لجنة التحقيق النور ام انه سيبقى عملة نادرة مثل بعض شرفاء الدولة؟!