في الستينات من القرن الماضي اطلقت الكنيسة الكاثوليكية الدعوة الى حوار الاديان، ودعا البابا يوحنا بولس الثاني الى عقد مؤتمرات للحوار بين زعماء المسيحية والاسلام واليهودية لخلق حوض عالمي يقوم على التفاهم والتعايش والسلام.
هذه الدعوة لم تأخذ مفاعيلها الصحيحة وأطرها التنظيمية إلا بعد دخول خادم الحرمين الشريفين على الخط، ليجعل من "الحوار بين الاديان" ومن ثم "الحوار بين الثقافات" احد ابرز همومه، انطلاقاً من حرصه على ترسيخ علاقات دولية وثيقة متعاونة وخصوصاً بين الاسلام والعالم.
فقد كانت الصهيونية مكبة دائماً على تصوير المسلمين كارهابيين يعادون العالم ويهددون الحضارة. ومع انهيار الاتحاد السوفياتي راحت تصور الاسلام على انه العدو الجديد للغرب المسيحي، وبعد هجمات 11 ايلول 2001 وما سمّاه اسامة بن لادن "غزوة نيويورك" مضت بعيداً في السعي لتحقيق نظرية صموئيل هانتينغتون حول صدام الحضارات وتحديداً بين المسيحية والاسلام وهو ما روّج له ايضاً الباحث برنارد لويس!
في غضون ذلك كانت توجّهات الملك عبد الله ومقاصده تبلورت في اكثر من مجال، ابتداء من"مبادرة السلام العربية" التي اعلنها في بيروت عام 2002. ثم كانت دعوته الى المؤتمر العالمي لحوار الاديان الذي افتتحه ورعاه في مدريد في تموز 2008 وحضرته 200 شخصية من رجال الاديان في العالم. وبعد مدريد انتقل الى الامم المتحدة حيث رعى المؤتمر الدولي الثاني لحوار الاديان بمشاركة قادة من 80 دولة، داعياً الى قيام جبهة موحدة لمحاربة الارهاب وتعزيز روح التسامح وثقافة الحوار وصارخاً: "نقول اليوم بصوت واحد ان الاديان التي اراد الله بها اسعاد البشر لا ينبغي ان تكون من اسباب شقائهم… ان الارهاب والاجرام من اعداء الله واعداء كل دين وحضارة وما كانا ليظهرا لولا غياب مبدأ التسامح".
في تموز من عام 2009 اختار الملك عبد الله منظمة الاونيسكو اطاراً دولياً لتعد وتنظم مبادرة جديدة اطلقها هذه المرة للحوار بين الثقافات، فكان انشاء "برنامج عبد الله بن عبد العزيز العالمي لثقافة الحوار والسلام".
وهكذا عندما تقلّد المديرة العامة للاونيسكو ايرينا بوكوفا خادم الحرمين الشريفين "ميدالية الاونيسكو الذهبية" وهي اعلى وسام في المنظمة، "تقديراً لدوره في تعزيز ثقافة الحوار والسلام ولمبادراته المتواصلة لخلق بيئة تفاعلية متفاهمة ومتآلفة بين الاديان والشعوب"، فانها تتجاوز حدود الاونيسكو لتشكل عربون تقدير دولي عميق لهذا الدور.
ولميدالية الاونيسكو قيمة مضاعفة في هذا الوقت، اولاً لأنها عربون وفاء لتاريخ من السعي لتعميق ثقافة الحوار، وثانياً لأنها تأتي في مرحلة حساسة حيث تنشط الصهيونية الآن لتصوير"الربيع العربي" وكأنه مجرد قناع للارهاب الاسلامي المقبل!
