منذ سنوات، يمكن قول الشيء التالي من دون تردّد: عندما تجتمع هيئة نقابة "عمّالية" فلانيّة في لبنان فهذا يعني بالضرورة أنّ هذه الهيئة تمثّل، تمثّل على نفسها والمشاهدين، بصرف النظر عن درجة إتقان أصحابها فن التمثيل، ناهيك عن طبيعة "المناسبة"!
أي أنّ الجميع يدرك أنّ الانفصال هو الحقيقة الأساسية التي تفصل بين العمّال والمستخدمين الذين يفترض بهذه النقابة، أو بهذا الإتحاد النقابي تمثيلهم، وبين هذه الأطر التي ما عادت تعتمد على أي تنسيب نقابيّ حقيقيّ، وفقاً للمعايير الدولية للحركة النقابية، ووفقاً لتاريخ الحركة النقابية اللبنانية أيضاً، مع عدم الرغبة في تقديم صورة مثالية خالصة عن الأخيرة، لأنّ "الزغل" في التنسيب النقابيّ، ليس إبن اليوم في لبنان، وكذلك الهوّة بين واقع العمّال ونقاباتهم.
في المقلب الآخر، عندما يقوم رئيس مجلس نيابيّ بطرح أفكار إصلاحية سواء حول السير بالهيئة العامة لإلغاء الطائفية السياسية، أو حول اعتماد لبنان دائرة واحدة على أساس النظام اللبنانيّ، فإنّه يلعب اللعبة ذاتها، لعبة التمثيل، التي تفترض ثنائية أساسية: أنّ هناك ممثّلا ومشاهدا.
ما وجه الصلة بين الحالتين، ولماذا الحديث عن "فنّ التمثيل" فيهما؟ لأنّ من عناصر التمثيل أن يكون هناك اتفاق ضمني بين الممثّل والمشاهد بأنّ ما يقوم به الممثل هو تمثيل، واستعارة لدور "كما لو أنّه دوره"، من دون أن تكون هناك علاقة مباشرة ضرورية بين هذا الدور المستحضر بغرض التمثيل وبين الأدوار التي يقوم بها الممثل في حياته اليومية خارج الوقت المحدّد لبروفات التمثيل أو للتمثيل الحيّ.
ويعني هذا الإتفاق الضمنيّ بين الممثّل والمشاهد على أنّ الأوّل يمثّل والثاني يشاهد، أنّ الممثّل لا يكذّب عندما يقوم بدوره، بل أكثر من ذلك هو يقترب من الحقيقة كلّما كان يؤدّي هذا الدور باحتراف أقوى، وبذاتية فائضة عن كل ما كان يرتجيه السيناريو والإخراج والتنفيذ.
لأجل ذلك، فإنّ النقابات العمّالية اللبنانية تمثّل. تمثّل أنّها نقابات، وأنّها عمّالية، وأنّها تسعى وراء مطالب.
أمّا في حالة رئيس المجلس النيابيّ فنحن أمام نموذج أكثر تعقيداً. هو بالطبع على رأس مؤسسة دستوريّة لها مقدار من الشرعية، بما أنّها منتظمة في إطار يحدّده الدستور اللبنانيّ، وبما أنّها منتخبة من الشعب اللبناني. لكنّه حين يطرح أفكاراً إصلاحية.. تراه يمثّل.
يمثّل أوّلاً لأنّه باستمراره على رأس هذه المؤسسة كل هذا الوقت ينسف أساساً الغايات الثلاث من كل فكرة إصلاحية يمكن أن تقدّم داخل منظومة ديموقراطيّة: تفعيل التداول على السلطة، والفصل بين السلطات، وتوسيع المشاركة السياسية. فالرئيس برّي هو رئيس المجلس النيابي منذ عام 1992 إلى اليوم، دون انقطاع، ولعلّه أطول رئيس مجلس نيابي عربيّ ما زال يرأس البرلمان في بلده، ويرجى التدقيق.
وهذه ليست بحدّ ذاتها للفصل في ما إذا كان ينبغي التجديد مرة اخرى للرئيس نبيه برّي. فالسياسة لا تقرّر هكذا. لكن أقلّ الإيمان أنّ من هو عنوان عدم التجدّد على رأس المؤسسات الدستورية هو الأقل أهلية في اجتراح أفكار إصلاحية تتعلّق بالنظام السياسيّ، وتحديداً بالنظام الإنتخابي. لماذا؟ لأن الأفكار الإصلاحية تبدأ من النقطة التي تستوجب إصلاحاً لمعضلة أنّ النظام اللبنانيّ لا يسمح بغير الرئيس نبيه برّي رئيساً لمجلس النوّاب.
أمّا الوجه الآخر لـ"التمثيليّة" فهو أنّ النظام النسبيّ هو أكثر عصرية من النظام الأكثريّ، وبالمطلق. ليس هناك مطلقات في هذا الموضوع. تاريخ الأنظمة الإنتخابية عبر العالم يظهر بلداناً تتبنّى هذا النظام ثم تعود إلى ذاك وهكذا. وحدها إسرائيل استمرّت على النظام النسبيّ المطلق منذ قيامها وإلى اليوم، مع أنّ مهندسها الرئيسيّ كدولة، أي ديفيد بن غوريون كان حذّر باكراً من هذا النظام. وفرنسا كانت اعتمدت النسبية ثم أقلعت عنها، والحجّة في ذلك أنّ النسبية تعرّض الجمعية الوطنية لتمثّل المتطرّفين فيها، أي أنّ الحجّة التي قدّمت يومها مخالفة للحجّة المروّج لها هنا، بإيعاز واضح من النظام السوريّ، بأنّ النسبية قادرة على إضعاف "المتطرّفين".
طبعاً، في حال فرنسا لم ينفع نوع النظام الإنتخابيّ في إضعاف الظاهرة اليمينية المتطرّفة. لكن منتهى القول إنّه ليس هناك مطلقات في موضوع قانون الإنتخاب، وليس هناك ميزة "عصرنة" يمتاز بها واحد على آخر، كما في التمثيلية الحالية. إنّ تفصيل قانون الإنتخاب على أساس الرغبة في "صهر اللبنانيين" هو تمثيلية. ليس كذبة بل تمثيلية، لأنّ من يقول ذلك يدرك تماماً أنّ هناك اتفاقا ضمنيّا بينه وبين المستمعين إليه على أنّه يمثّل وهم يشاهدون ويدلون بدلوهم.
إنّ غاية قانون إنتخابي لا يمكن أن تكون "دمج المواطنين ببعضهم البعض"، وإن كانت لا تنحصر في "صحّة التمثيل"، لأنّ المقولة الأخيرة تفترض أنّ العملية الإنتخابية بحدّ ذاتها لا تؤثّر على انتفاخ أو تقلّص الأحجام السياسية. المعيار الأوّل والأخير لقانون الإنتخاب، ليس "الإنصهار الوطنيّ" ولا "صحّة التمثيل"، وإنّما تأمين فرصة للأحجام السياسية كي تتبدّل من دورة إلى أخرى، أي تأمين فرصة التداول على السلطة، فإن لم يحصل التداول لا يمكن لنظام ديموقراطيّ أن يهنئ نفسه بذلك لأكثر من فترة محدودة. بعد ذلك لا بدّ أن يبحث عن العطل. أن يكون الشخص في مركزه إلى ما لا نهاية، فهذا يعدّ تدهوراً في الديموقراطية!
والمضحك المبكي أنّه في كلّ مرة تستحضر فيه "فكرة إصلاحية" يبدأ النقاش حولها في البلد "من أوّل وجديد".. كما لو أنّه لم تكن هي نفسها الفكرة المعلوكة، قبل الحرب، وأثناء الحرب، وبعد الحرب.
