Site icon Lebanese Forces Official Website

… ولما خرجوا شمّست بلبنان! (بقلم فيرا بو منصف)

كنا هناك. انهالت علينا خراطيم المياه. كنا هناك. انهالت فوق أجسادنا دعسات الرناجر. كنا هناك. اعتُقلنا بتهمة الاساءة لدولة شقيقة. كنا هناك. قتلنا تحت الات التعذيب وان كنا لم نمت. كنا هناك. في سجن المزّة نشرب مياه المجارير ونأكل الجرذان الحية…ثلاثون عاما ونحن هناك، نُقتل نُهان نُعذَب نُضطهد…ونقاوم. كنا هناك… لا بقينا هناك ولا نزال، نقاوم احتلالا رَبَخ كالمخرز في العين، لاكثر من ثلاثين عاما متواصلة على قلب الحياة، على لون الارض، على الزهر والطيور، على القمر والشمس… كانوا كتار كالجراد، ونحنا قلال كالنسيم الرطب في صحراء، لكن كان لا بد أن تجنّ الحرية مهما كان الثمن… والثمن، الاثمان دفعت سلفا بالاحمر، بالاحمر دائما فلماذا الانتظار بعد؟

كان لا بد أن يخرجوا وليس خروجاً مكللاً بالكرامة، انما خروجاً مذلاً مهيناً مدججاً بالانكسار…وخرجوا. خرجوا بعد ثلاثين عاما ولم ينلوا وردة وداع، وسام تقدير الا ممن تشبّه بهم وعمل لهم. وهم يغيبون في المسافات كنا نرشقهم بالحجارة وان لم نفعل. عيوننا فعلت. قلوبنا تحوّلت راجمات صواريخ دمّرت الهيكل فوق رؤوسهم. رحّلتهم. لعنت وجودهم الاسود فوق الارض الخضراء. لم يكن من الضروري ان نرشقهم بالحجارة، رشقناهم بما يفتقدون اليه ويهلعون منه، رشقناهم بالحرية والكرامة فانحنت رؤوسهم من الذل. لم يتجرّأوا النظر في عيوننا في تلك اللحظة، كانوا يعرفون ان في العيون بركان من كل الاحاسيس حتى الانتقام. وان كنا لم نفعل، وان كان من حقنا أن نفعل. لنا في ذمتهم الاف الشهداء، الاف الشهداء. مئات المعتقلين، مئات المعتقلين، وعمر بحاله، عمر بحاله من القهر والنضال.

كانوا كتار وكنا قلال بس فلّوا. لاننا أردنا ذلك وفعلناها. نحن الـ 10452 كلم مربّع والاربعة ملايين لبناني طردناهم، هم جيش الـ 22 مليون نسمة.

لحظة افول آخر مدفع لهم عن طريق المصنع، أفل الظلام. نوّرت من جديد أرض لبنان. نظروا الينا من بعيد كمن يتوعّدنا بلقاء اخر قريب. لم يصدّقوا ولا يريدون حتى الان أن يصدّقوا انهم لن يعودوا. لن يدخل جندي سوري أرض لبنان. لن يحتلّها من جديد. كنا أول من زرع زهرة في ربيع العرب ولن نقتلع الزهرة. يحاولون بالتأكيد. لنا في ذمّتهم ثلاثين عاما من كل أنواع السواد، ولهم في ذمتنا عملاء ينشطون على خطوطهم الامامية والخلفية ليعودوا. هم جيش النظام وليس جيش الشعب. لا يهم ما يفعلون. نحن في المرصاد. الحرية مواجهة. الحرية عدوى. الحرية صلاة. ونحن في المعبد. دائما في المعبد، في لبنان حرّاس الزمن.

كانت لحظات لا تنتسى. 26 نيسان 2005 جلاء الجيش السوري عن لبنان. عاد اللون الاخضر. هني فلّوا وشمّست بلبنان لوين بدن يرجعوا… وفي كل الاحوال لهم أن يحاولوا…

Exit mobile version