أبعد من الخبز والملح وأعمق من مجرد لقاءات سياسية وربما انتخابية، كان عشاء "مصالحة الجبل.. ربيع لبنان". عنوان اختاره رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع ليضم في منزله رؤساء بلديات ومخاتير منطقة عاليه الى العشاء حول مائدته في دارته في معراب. إنه العشاء الرابع في إطار سلسلة الدعوات التي تؤكد على التزام جعجع سياسة مدّ اليد التي أعلنها في 14 شباط الماضي.
وللعشاء الأخير، مساء اول من امس الثلاثاء، الذي جمع حول مائدته مكونات مجتمع عاليه المحلي، خصوصيته حيث أنه فعّل مصالحة الجبل بين المسيحيين والدروز التي أرساها كل من الكاردينال نصرالله صفير ووليد جنبلاط في صيف العام 2001. ويهدف جعجع من خلال هذه الدعوات الى تكريم المدعوين واقفاً على باب "صالة الطعام" مرحباً بكل ضيف ومستمعاً الى كل اقتراح أو مشكلة.
في المقابل، أظهر المدعوون من المسيحيين والدروز عاطفة وتماسكاً ثنائياً يقفل الباب إقفالاً محكماً على ماضي الجبل الذي استحال واقعاً مثمراً يعمل فيه "القوات" في العمق لترسيخ العلاقة الناجحة والتأسيس لمستقبل مثمر. لذا يتخطى جعجع من خلال دعواته الحاجز الحزبي ليبلغ فكرة الإنسان من كل طائفة ومذهب ومكان، هي نفسها الفكرة التي بنى عليها دستور حزبه.. من هنا قابله المدعوون بالفكرة ذاتها فجمع عشاء منطقة عاليه المجالس البلدية والإختيارية من وكل الأحزاب والطوائف لا سيما "الحزب الاشتراكي" و"الحزب الديموقراطي اللبناني" و"الحركة اليسارية اللبنانية".
مصدر "قواتي" في معراب يؤكد أن "الدعوات الى منزل الحكيم لن تتوقف وستتواصل تباعاً وقد تتخذ شكل لقاء أو عشاء، ولا تتوجه فقط الى الحلفاء إنما الى كل الأطراف." في الإطار عينه، شدد جعجع في كلمته على الإستمرار بسياسة مد اليد ليتلقاها من يريد. وحضّرت للعشاء منسقية عاليه في "القوات اللبنانية" ووجهت الدعوات الى الجميع.. إذاً جمع الحكيم على مائدته المسيحيين والمسلمين والدروز في قالب خاص وعام معا!
خيرالله: طبيعي أن ينعكس الجو انتخابياً
"القصة لا علاقة لها البتّة بالإنتخابات النيابية" يؤكد منسق "القوات اللبنانية" في عاليه كمال خيرالله، ويتابع "العشاء خطوة في اتجاه التلاقي لإحياء المصالحة وتفعيلها خارج إطار السياسة الضيق. ففي الجبل يتعايش المسيحيون مع الدروز والمرحلة السابقة استبدلناها بنظرة الى المستقبل". ويصف "العلاقة بين المسيحيين والدروز بالجيدة جيدا على الأرض وتحديدا بين الإشتراكي والقوات، كما أن التواصل موجود والتنسيق دائم والتلاقي فعّال والمشاركة متبادلة في كل المناسبات إجتماعية كانت او حزبية لتفعيل النشاطات والحياة في الجبل"، متطرقاً الى "الإختلاف البسيط في السياسة والذي لا يعني أن العلاقة على الأرض ليست جيدة." لكن هل ستنعكس الصورة التي رُسمت في المجلس النيابي مؤخراً تحالفاً انتخابيا في الجبل بين الحزبين؟ يجيب خيرالله "ربما ليس مبكرا اليوم الحديث عن الانتخابات، إنما قانون الإنتخاب غير واضح المعالم بعد، ومن الطبيعي أن ينعكس الجو الحالي على الإنتخابات بشكل أو بآخر." ويختم متمنياً "أن يتكرر هذا النوع من التواصل وأن يتخطى الإطار الإجتماعي. وفي هذه الظروف علينا أن نعمل لتفعيله ولإعادة الجبل الى العزّ الذي كان عليه في السابق، لأن القوات قررت أن تفتح علاقات مع الكل، وترحب بكل من يشاركها هذه العلاقات في سبيل إنماء الجبل".
شيا: التحالفات تتكوّن مع الوقت
ويرى وكيل داخلية الجرد الأعلى في "الحزب الإشتراكي" زياد شيّا أن "الدعوة وجهت الى كل مكونات المجتمع المحلي"، ووصفها بالمبادرة الكريمة من "القوات اللبنانية". ويشرح "كل رؤساء البلديات والمخاتير كانوا مدعوين، واتت الدعوة بشكل طبيعي وتلقائي وكان قرار المشاركة فردياً أي أن الحزب لم يفرض أي رأي." معتبراً أنه "يجب أن تكون العلاقة الأهلية والمحلية جيدة بين الإشتراكي وكل الأحزاب، منها القوات وكل الأفرقاء في منطقة عاليه والجبل بشكل عام، استنادا الى ضرورة التواصل واللقاء بين كل الأطياف." ويلفت شيّا الى أن "الحديث في الانتخابات النيابية سابق لأوانه، لأن سيرة التحالفات لا تقرّ في عشاء أو غداء إنما هي علاقات وتحالفات تتكوّن مع الوقت وهذا قرار عائد لرئيس الحزب، لذا لم نأخذ هذا العشاء بأبعاده التحالفية بقدر ما نظرنا إليه نظرة أبعاد تواصلية بين أهل المنطقة الواحدة." ويختم "على المستوى المحلي في المنطقة نحن متمسكون بضرورة التواصل مع كل الأفرقاء في الجبل، فكيف إذا كان على مستوى لبنان ككل، ونحن حريصون على تمتين أواصر التواصل. أما إنتخابياً فكل الإحتمالات مفتوحة وهذا محصور برئيس الحزب".
بركات: العشاء مقدمة لمشاركة سياسية
من جهته، يعتبر رئيس الحركة اليسارية اللبنانية منير بركات، الذي كان حاضراً في العشاء أن "الحضور في معراب اتخذ طابعاً وطنياً من خلال تنوع المدعوين خصوصاً على المستوى الدرزي-المسيحي في منطقة تشكل أهمية سياسية وجغرافية وتاريخية ارتباطاً بدور الجبل الوطني". ويرى أن الحضور "تجسد في كل المجالس البلدية والإختيارية والسياسية في منطقة عاليه، لا بل أكثر من ذلك بمشاركة جبلية تؤكد تطبيع العلاقة بالقوات اللبنانية ارتباطاً بالمشروع السياسي." ويتناول بركات بعداً نحو الاستحقاقات المقبلة، ارتباطاً بالمشروع السياسي الوطني، كما يقول، وهذه المشاركة تشكل وفاء لجعجع وللحزب وفي الوقت نفسه وهي حالة استنكار للإغتيال السياسي الذي تعرض له، كما أنها مقدمة لمشاركة سياسية أكثر فعالية في مواجهة الاستحقاقات المقبلة والتصدي للمعضلات التي تواجه الوطن".
