كتب فادي شامية في "المستقبل"
ليس في الأجواء ما يوحي بأن الانفجار الذي استهدف قبل أيام مطعم "نوشن" عند مدخل صور؛ سيكون الأخير ضمن هذه السلسلة التي بدأت قبل أسابيع، مستهدفة مطاعم في صور والصرفند القريبة منها.
بلغ عدد المطاعم المستهدفة بالتفجير حتى الآن ستة، اثنان منها في الصرفند. الجامع المشترك للأماكن المستهدفة أنها تبيع الكحول، ما يعني أن قراراً متخذاً "من قبل جهة ما"، بمنع بيع الكحول يجري تنفيذه بالقوة النارية في صور وجوارها.
النزول إلى الشارع في صور واستطلاع آراء الناس يؤكد هذه القناعة. ثمة من يؤكد رفضه لـ"سياسة فرض الرأي بالقوة"، وثمة من يشير بالاسم إلى الجهة المتهمة، وثمة من يتحاشى الكلام. في الشارع لا يتكلمون عن الخمرة باعتبارها "محرمة دينياً"، فالموضوع ليس هنا، إذ معظم من لديهم استعداد أن يتكلموا أمام صحافي يؤكدون أنهم لا يعاقرون الخمر، ولكن ما يثيرون جدير بالاهتمام: هناك ستة جرحى في الانفجار الأخير، ولولا لطف الله لوقع قتلى؛ وهناك محال وسيارات وبيوت متضررة. ما ذنب هؤلاء؟ وهل هذه هي الطريقة المناسبة للتعبير عن رفض الجهة إياها للخمر؟! والأهم: من يحكم الناس ويفرض قانونه عليهم؟
السلطة غائبة
بعد جولة في صور وجوارها، تبرز النتيجة واضحة وهي أن السلطة غائبة أو مغيبة. لا تحقيقات جدية، ولا توقيفات أكيدة لغاية تاريخه. التواصل مع الجهات الأمنية يفيد وكأنها تعرف الجهة الفاعلة وتالياً، فهي لا تحتاج الى تحقيقات موسعة… لأنها لن تتمكن من توقيف الفاعلين، أو أنها لا تريد ذلك.
القناعة نفسها عند الناس الذين يتحدثون عن تهديدات وصلت إلى أصحاب المحالّ من جهة يعلمونها جيداً عشية رأس السنة الميلادية؛ فرضت عليهم إلغاء حفلات، وتغيير برنامج حفلات أخرى. ثمة منشورات وُزعت في وقت لاحق بهذا المعنى. أصحاب مطاعم "تيروس" و"شواطينا" و"لاكوستا" التي تعرضت لتفجيرات؛ سبق أن تعرضوا لتهديدات أو مضايقات، أو مُزقت لافتات لهم في وقت سابق على التفجير (تيروس).
الحظر "المفروض" يشمل دائرة واسعة في صور وجوارها، وصولاً إلى الصرفند والسكسكية، وهي مناطق تتمتع فيها حركة "أمل" بنفوذ كبير، لكن اللافت أن الحركة تنأى بنفسها حتى الآن عن الموضوع (لم تصدر أي إدانة للتفجيرات عن جهة معتبرة في "حزب الله")، وقد طالت التفجيرات صور والصرفند، لكن مطاعم في السكسكية تعرضت للتهديد أيضاً، فيما أحرق ملثمون إطارات أمام محل مخالف لـ "الحظر المفروض" في كفرمان في الأول من شباط الماضي.
أما المستهدَفون، فمنهم من يتحدى ويصرّ على ما هو عليه؛ ومنهم من رفع لافتات مكتوب عليها "نعتذر عن تقديم الكحول"، والجميع يتحدث عن تأثر الحركة السياحية، والإضرار بمصالح المدينة، والعتب كبير على نواب المدينة وعلى بلديتها، الذين لم يتحركوا لإثارة الموضوع على مستوى يمنع التعرض لأمن الناس وممتلكاتهم.
وبالتحليل؛ إن ما يجري ليس سهلاً، لأن صور منطقة سياحية، ومعروفة بمطاعمها منذ مدة طويلة، وفرض "التغيير الشرعي" عليها لا يمكن أن يتم إلا بالقوة، والجهة التي تريد فرض إرادتها تريد تحقيق هدفين دفعة واحدة:
ـ فرض إرادتها بمنع بيع الكحول بطريقة عنفية.
ـ خلق انطباع لدى الرأي العام بإمكان وجود مجموعات قادرة على التفجير في مناطق نفوذ الثنائي الشيعي ("أمل" و"حزب الله")… وما ينطبق على المطاعم ينسحب على غيره من الأهداف سواء كانوا أفراداً أو دوريات تابعة لـ"اليونيفيل".
التطرف والفوضى
وفق المعطيات المتقدمة؛ إن الموضوع ليس دفاعاً عن الخمر، ولكنه دفاع عن أمان الناس وحريتهم، وعن قيمة مجتمعية اسمها الدولة، ففي كل بلد تسود فيه الفوضى وتنشأ مجموعات دينية مسلحة؛ يجري استهداف الأشخاص والأماكن المصنفة أنها "تخالف الدين". حدث الامر في العراق، وفي الصومال، وفي موريتانيا… متلازماً مع ظاهرتين: التطرف (الغلو في الدين)، والفوضى، وهما الصفتان اللتان يرفض أي فريق لبناني أن يتبناهما، لكن توالي الانفجارات وتصاعد حدتها يعنيان ترك مجال الدعوة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) والتوجه إلى أفعال القوة (تفجير محال المخالفين)، وهذا مؤشر سلبي للغاية عن حلول سلطة الجماعات الدينية المتطرفة محل الدولة… وللأسف إن هذا الأمر يحدث راهناً في جنوب لبنان على الصعيد الاجتماعي، وفي مدينة صور على وجه التحديد، بعدما حدث بشكل صامت في مناطق جنوبية أخرى غيرها.