تدفقت الأزمات المعيشية الواحدة تلو الأخرى، وتوالت التحركات الشعبية في كبسة زر وفي وقت واحد، مشكّلة للحكومة تحدياً جديداً، وضغوطاً متسارعة، للنظر في التدهور الاقتصادي الحاصل، والذي بات يولد ظاهرة الانفلات الامني غير المسبوق، والمبرر بالضائقة المالية والجوع، الذي يقضّ مضاجع شريحة كبيرة من اللبنانيين، إضافة الى غياب السياسة الاستشفائية والضمان الصحي، أو حتى ضمان الشيخوخة، في بلد يستحيل على صاحب الدخل المحدود توفير بعض المدخرات، بما أن الأسعار ترتفع من دون حسيب أو رقيب، وتلتهم الأجر بزياداته في محاولة لتأمين ضروريات العيش بعيداً عن الكماليات!.
والمبهر في الدولة، غنى جعبتها بالملفات الخلافية، وقدرتها الدائمة على استيلاد الأزمات بدل الحلول… فكلما أغلق ملف، شرع عشرة بديلاً له، في بيئة عاجزة عن الحوار والتواصل لإيجاد الأرضيات المشتركة، والتي تتمثل أولاً بتحصين الجبهة الداخلية بالحرص المشترك على المصلحة العامة وحاجات المواطن المعيشية الملحة، بعيداً عن نبش الماضي المقيت، واعتماد الكيدية في مواجهة محاولات التوصّل إلى الحلول، أو الانتقام أثناء جردة الحسابات القديمة.
إن حكومة اللون الواحد والتي عجزت حتى اليوم عن تأمين أدنى متطلبات العيش المقبول، وليس الكريم للبناني، بسبب استفحال الخلافات بين أطرافها الذين استباح بعضهم المال العام، وظن أن بمقدوره القفز فوق دولة المؤسسات، لا يمكن أن تكون الطرف الصالح لإجراء انتخابات نزيهة حيث تقف الدولة على مسافة واحدة من الجميع، بكل تجرد وموضوعية.
وكيف يفسّر فريق اشترط الحصول على الثلث المعطل في حكومة الوحدة الوطنية، ضارباً نتائج الانتخابات النيابية ونسب التمثيل الناتجة عنها عرض الحائط، تمسكه اليوم بحكومة لا تمثل إلا جزءاً من اللبنانيين حصلوا على الأغلبية عبر انقلابات سوداء أعادت تموضع بعض القوى ورجحت الكفة للأقلية السابقة.
لم يكن الاختلاف بالرأي يوماً سبباً ليفسد للود قضية، إلا إذا كان الود مفقودا أصلاً، والأحقاد هي التي تحرّك السياسات المحلية، وتلعب بنار الطائفية والانقسامات الشوارعية، وتشحن النفوس، ولا تنفك تُهدّد بالويل وعظائم الأمور في حال لم تجر رياح الوطن بما تشتهي سفن هذا الفريق!.
أما حكومة التكنوقراط الحيادية القادرة على إنهاء هذه الملفات الخلافية من انتخابات وقوننة الإنفاق المالي، وحلحلة الملفات المعيشية الخانقة، فما زالت أسباب رفضها مبهمة، في وقت عصيب يمر به الوطن العربي ككل والوطن الصغير بشكل خاص، والذي لم يعد يحتمل أية خضّة أمنية أو اقتصادية أو حتى سياسية!.
كلنا للعمل… نعم ولكن نعمل لمن وضد من؟ بات سؤالاً مشروعاً في ظل الازدواجية القائمة.
كلنا للوطن… نعم، ولكن أي وطن… العربي الكبير بربيعه أم خريف أنظمته… أم لبنان الصغير بموالاته أم معارضته؟.
وفي مطلق الأحوال… أين اللبناني بلقمة عيشه؟ هل هو قادر على انتظار الحلول، أم حان الوقت ليستولدها بيديه كما يحتّم عليه انتماؤه لوطنه النهائي؟.
