Site icon Lebanese Forces Official Website

لو تكلّم التّاريخُ

لو خرج التّاريخُ عن صمته وتكلّم لصرخ صرخةً مدويّةً مزّقت كلّ الأقنعةِ وأسقطتها، وكسرت جدارَ الصّمتِ المتربّع فوق الصّدورِ والأكتافِ والأعناق. نعم خرجنا من الحربِ منهكين، وطوينا الصّفحةَ قانعين وعضضنا على الجرحِ مرغمين وسكتنا، ولكنّ الجراحَ جراحٌ، في القلوبِ باقية، والمساميرُ مغروزةٌ في الأكفِّ وإن تفتّحت ورودًا… فإن نسينا لن ننسى الأجسادَ المنتّفةَ المتطايرةَ تحت أقدامِ الغزاة، ولن ننسى دروبّ الآلامِ الطّويلةِ مشيناها فأدمت أعمارَنا.

لو خرج التّاريخُ عن صمته وتكلّم، لتلا لائحةً طويلةً تكادُ تشبهُ الصّلاة، تبدأ بأصغرِ مقاومٍ في عين الرّمانة وتلّ الزّعتر، ولا تنتهي برئيسِ الشّهداء، شهيد الرّؤساء، بشير الجميّل. لو خرج التّاريخُ عن صمته، لباحَ كم من المرائين باعوا الهيكلَ بأقلّ من ثلاثين من الفضّة، ودنّسوا ودمّروا وفجروا وتاجروا بترابِ البلاد ورقابِ العباد، من دون أن يرفَّ لهم جَفنٌ أو تتحرّك في قلوبهم خفقة. لو نطق التّاريخُ لفضحَ كلَّ الزّاحفين إلى الكراسي حتّى فوق الأشلاء والجماجم، ولباركَ وقدّسَ كلَّ الأقلامَ المرتفعةَ في وجه الحرابِ الحاقدةِ، وكلَّ "لا" صفعت كالسّيف حلمَ ظالم فأربكته…

إن تكلّمَ التّاريخُ لن يتأخّرَ لحظةً عن ذكرِ دموعِ الثّكالى وأنينِ المعوّقينَ والحكاياتِ السوداء وقد شتّتت أحلامّ الصّغار وقزّمتها بحجمِ بندقيّةٍ تطلُّ من نافذةِ ملجأ!

والتّاريخُ إن تكلّمَ وهو الصّادقُ في عُرفِ الأجيال، وهو الحقُّ إن صدقَ الرّجال، لروى حكايةَ السّجينِ الّذي فتح له الحقدُ أبوابَ الجحيم، وحفر له الغدرُ الحفرةَ وحضّر له الكفنَ، نسجه ولوّنه، لكنّ أبوابَ الجحيمِ لم تقوَ عليه.
لو تكلّم التّاريخُ لأحرقَ بألسنةٍ من نار كلّ المرائين، فالويلُ لمن يحاولُ إسكاتَ التّاريخ، فإنّ يقظتَه آتيةٌ موجِعةٌ مدوّيةٌ مهما تأخّر.

Exit mobile version