Site icon Lebanese Forces Official Website

لا هو وطن ولا هو رسالة

على الأقلّ منذ خمسمئة سنة، وصيغ لبنان أو نظمه السياسية، قائمة على تبدّل في سلطة الطوائف، بحسب الحروب والظروف. ومن السذاجة اعتبار أن طائفة ما، بأحزابها أو بشخصياتها، ستقبل قانوناً انتخابياً لا يلائمها. العدل الانتخابي في وطن طائفي، وجهة نظر. ما يحصل عندنا، خصوصاً بعد خروج الجيش السوري، أننا نرتضي قانون انتخاب بهامش ضيّق من المقاعد أو الدوائر "الرمادية"، أي غير المحسومة. ولأنّ كل حزب أو طرف يعتقد أنه قادر على الفوز بتلك المقاعد "الرمادية"، يَقبل خوض المعركة. فإن خابت توقّعاته عضّ على جرحه، أو تحيّن فرصةً، مثل "7 ايار"، لينقلب على النتائج، ويكرّس الانقلاب، ويعلنه يوماً مجيداً للوطن!

من "صيحات" عدالة الانتخابات هذه الأيام، الكلام على مبدأ "النسبية". لن أخوض في مدى عدالة "النسبية"، سأذهب إلى أمور أبسط. يقول العالم القانوني انطوان خير ما معناه، أن المجلس الدستوري كان يُضطر إلى إلغاء نتائج عدد لا بأس به من اقلام الاقتراع، لا لشيء إلا لجهل رؤساء الأقلام تنظيم المحاضر، أو إجراء التطابق بين الأوراق، أو كتابة كل ورقة وضعت في تصرّفهم في الشكل المطلوب. هذا في اقتراع "اكثري" غير معقّد وبسيط. اللبنانيون، منذ مئة وخمسين سنة، يمارسون الاقتراع الاكثري، ولا يزال رؤساء الاقلام يتخبّطون في الفرز والحساب، فكيف سننجح في تدريبهم على "النسبية"، قبل شهر أو شهرين من موعد الانتخابات؟ سأل البطريرك صفير مرة، وقبل أيام كرر السؤال بعده البطريرك الراعي: " ماذا تعني النسبية؟" أَجِبوا البطريركين ثم التفتوا إلى الشعب العادي. عندما يسألني عربي يريد زيارة بلدنا، عن أهم معالم هذا "اللبنان"، أعدد له: الأرز، وبعلبك، والثلج، والمازة، ثم أضيف: الغموض. لولا الغموض لضاقت "فسحة الأمل". اليكم مثالاً على "الغموض" بنكهة مسيحيّة. جاء من اقترح مشكوراً، قانون انتخاب قائم على ان تنتخب كل طائفة نوابها. كلّ من اجتمع في بكركي لهذا الغرض، هو "موضوع قابل" لهذا الاقتراح. حلفاء واخصام مسيحيون، اتفقوا على شيء. ثم تعالت اصوات الاعتراض من اخصام الأخصام المسيحيين، وحلفاء الحلفاء المسيحيين. هنا جاء دور "الغموض" الخلاق. بقاء القديم على قدمه، ولكن بنقل المقاعد و"تراكم الأصوات". ننقل المقعد الماروني من طرابلس الى البترون موئل ثلاثة قديسين موارنة. فتسقط "شبهة" الطائفية. ابن النبطية يكتب على ورقة الاقتراع: محمد رعد، محمد رعد، محمد رعد، فتزول "الرجعية". كن يا لبناني طائفياً، ولكن لا تلفت الانظار، لا تكن صريحاً، لا تُسَمِّ الاشياء بأسمائها. الشيعة يريدون وزارة الخارجية لهم امس اليوم وغداً. هم غير متوجّسين من سنّي يجول على العواصم وشغله الشاغل المحكمة الدولية، ولا خائفين من مسيحي قد يجد في الاحداث السورية، ظلماً للشعب السوري. جاء وزير شيعي منتصف الولاء بين رئيس الجمهورية المسيحي و"حزب الله" الشيعي. في لحظة الحقيقة، انتصر النصف الشيعي على النصف المسيحي. طارت الحكومة. وطار الوزير ليحطّ رئيساً للجامعة اللبنانية. هذا الوزير له مقالات وافرة عن المواطنة والعيش المشترك، واصطفافه "الشيعي" كان عملاً وطنياً بامتياز. وهو لولا خوفه على العيش المشترك لما مشى بركاب "حزب الله". عون عاد من الدوحة ومعه "المن والسلوى" للمسيحيين على شكل قانون انتخابات الستّين. يومذاك منَّى علينا بذلك القانون، اما اليوم فيتسلّى بنا بـ"النسبيّة". كثرٌ من مسيحيين ومسلمين يقرّون بان هذا "اللبنان" صناعة مارونية. ولكن ان تكون صانعا في معامل سيارات فيراري، لا يعني انك قادر على شرائها. لك التصنيع ولغيرك الاستعمال. كثرٌ من مسيحيين ومسلمين، يقرّون بأن هذا "اللبنان" وديعة درزية. ولكن حارس المصرف لا يحقّ له التصرّف باموال المودعين. كثرٌ من مسيحيين ومسلمين يقرّون بأن هذا "اللبنان" موئل فرادة اسلامية. ولكن مطلوب ان تكون سنّياً او شيعياً فريد نوعك خارج لبنان لا في داخله. هنا انت رجعي، أو امبريالي، أو ايراني،ـ أو سعودي. أو محتكر لمال او سلاح. لسان حال اللبنانيين: "الف مرة غموض ولا مرة مصارحة". نريد ان نكون طائفيين، من دون ان نُتّهم بالطائفية. مكابرة غبية لا تجد لها مثيلا.

كيف تتهم اللبنانيين بالطائفية، وبانهم يريدون قانون انتخاب على قياس طوائفهم؟ الا ترى انهم يسهرون، ويأكلون، ويرقصون، في مكان واحد؟ الا ترى النقاب والشعر الطويل في شارع واحد؟ الا تسمع المأذنة والجرس في وسط بيروت؟ اذا علا صوت الجرس، فلا تعود تسمع من يؤم الصلاة في الجامع. واذا نادى المؤذن فلا تعود تسمع عظة الخوري في الكنيسة. ولكنها صورة نمطية جميلة لن نشبع من تكرارها في الخِطَب وتصريحات ما بعد الفتن الطائفية! مع احترامي للبابا الراحل يوحنا بولس الثاني، لم اعجب يوماً بعبارته التي تقول ان "لبنان اكثر من وطن، انه رسالة". شخصياً، لا اريد اكثر من وطن. في الاساس، وحتى كتابة هذه السطور، تلك "الرسالة", لا قارىء لها، ولا ساعي بريد.

Exit mobile version