Site icon Lebanese Forces Official Website

ذكرى 26 نيسان:الانسحاب من سوريا أيضاً

كتب محمد مشموشي في "المستقبل":

عندما انسحبت قوات النظام السوري (ولا نقول الجيش العربي السوري) من لبنان في 26 نيسان من العام 2005، قال أحد المثقفين من الساسة العرب انها لم تنسحب من لبنان فحسب وانما من سوريا أيضا. اليوم، وبعد سبعة أعوام على الحدث، يتأكد ما قاله السياسي العربي أمرا واقعا على الأرض، ويتأكد معه كذلك زيف ما كان يردده النظام اياه عن "الأوراق" العربية والاقليمية التي كان يجمعها، باعتبارها نافذة هروب من الكم الكبير من مشكلاته الداخلية السورية: وظيفته الأولى كنظام حكم، لا يجد ما يفعله تجاهها سوى التغني بسياسة "الممانعة" والحديث عن دعم "المقاومة"، فضلا عن معاركه الدونكيشوتية ضد ما دأب على تسميته "الاستعمار" و"المؤامرة الغربية" و"المشروع الأميركي للشرق الأوسط".

لكن، لماذا كان انسحاب قوات النظام السوري من سوريا أيضا؟.

لجملة أسباب، بل أخطاء وخطايا سورية، كما يأتي:

لأن "لعبة الـ3 أوراق"، كما يصفها اللبنانيون، كانت قد انكشفت تماما بين أيدي النظام وأتباعه اللبنانيين في تلك الفترة من العام 2005، خصوصا بعد زوال الاحتلال الاسرائيلي للجنوب والبقاع الغربي من جهة أولى، واصرار النظام على تجاهله المتعمد للرأي العام اللبناني عبر التمديد لصنيعته في لبنان اميل لحود على رأس الدولة من جهة ثانية.

والأهم، لأن الانسحاب تم على خلفية ثورة شعبية ملأت ساحات وشوارع بيروت والمدن اللبنانية الاخرى، بعد جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري قبل ذلك بشهور، مطالبة باسقاط "النظام الأمني اللبناني السوري المشترك".

وبعد ذلك كله، لأنه تم غصبا عن النظام الذي لم يلتزم على مدى سنوات لا بوعوده ولا بنصوص اتفاق الطائف حول "اعادة الانتشار" أو الانسحاب التدريجي، وانما خضوعا لقرار مجلس الأمن الدولي (القرار 1557) الذي سارع وزير خارجيته يومها، نائب الرئيس الآن فاروق الشرع، الى وصفه بأنه تافه ومن دون معنى ولا يساوي حتى ثمن الورق الذي كتب عليه.

مع ذلك، فقد واصل نظام بشار الأسد لعبته القديمة وكأن شيئا لم يحدث. بل انه ذهب الى اعتبار مسلسل الاغتيالات في لبنان، وحرب العام 2006 ضده، وسياسة مد اليد التي أبدتها واشنطن وباريس ولندن ازاءه بعد تبدل السلطة فيها، واعلان الملك السعودي عبد الله بن عبدالعزيز في الكويت أن "عفا الله عما مضى"، ليست سوى "انتصارات مؤزرة" له ولسياساته في سوريا ولبنان أولا ثم على مساحة المنطقة كلها من جهة أخرى. ولم تكن الهتافات التي ترددت أصداؤها في دمشق وطهران(وبيروت، بالتبعية)في تلك الفترة تحت شعار "هزيمة المشروع الأميركي" و"انتصار محور المقاومة والممانعة"، الا بعض الدليل على تلك القراءة الخاطئة من قبل النظام، ليس للوضع في داخل سوريا ولمجمل الوضع في المنطقة فقط، وانما لنظرة العالم الى النظام نفسه أيضا.

وما شهده لبنان في تلك السنوات، من اعتكاف الوزراء المرتبطين بنظام الأسد، الى استقالتهم لاحقا، الى الاعتصام في قلب العاصمة، الى اقفال مجلس النواب، الى منع انتخاب رئيس للجمهورية بعد انتهاء ولاية لحود الممددة، الى جريمة "اليوم المجيد" في 7 أيار 2007، وصولا بعد ذلك كله الى اقالة حكومة الرئيس سعد الحريري بسلاح "المعاطف السوداء" ثم تشكيل الحكومة الحالية، ليس سوى اصرار على التمسك بكل من اللعبة والقراءة الخاطئة هاتين.

وفي مواجهة الثورة الشعبية السورية المستمرة ضده منذ أحد عشر شهرا حتى الآن، يعلن النظام يوميا أنه ما يزال يمعن في اغراق نفسه واغراق سوريا في المستنقع اياه، وذلك من خلال عدد من المؤشرات التي لا تخطئها عين مراقب: استمرار ادعاءاته حول "المؤامرة الخارجية"، ولكن ليس الغربية والأميركية الاسرائيلية هذه المرة بل العربية أيضا. كلامه المعاد عن الاصلاح، ولكن مع اعتماد الحل الأمني والقمع المفرط أسلوبا وحيدا في التعامل مع الثورة ومطالب الشعب السوري في الحرية والديموقراطية والكرامة. ودائما، تهديده بأن البديل عن النظام(نظام "الأسد الى الأبد" و"الأسد أو لا أحد") سيكون حربا أهلية لا تقف عند حدود سوريا بل تتعداها لتشمل المنطقة كلها.

أما لبنانيا، فبعد أن انسحبت قوات النظام السوري (ومرة أخرى، لا نقول الجيش العربي السوري) فقد عمل هذا النظام مع أتباعه في لبنان على ابقاء الحال على ما كان عليه: بدلا من عنجر كان ريف دمشق، وبدلا من قوات النظام جيش "حزب الله"، وبدلا من الوصاية المباشرة الوصاية بالريموت كونترول، الى آخر ما يعرفه اللبنانيون ولا حاجة الى تكراره.

وليس من المبالغة في شيء اعتبار أن كل مآسي لبنان منذ ذلك التاريخ، سياسيا أو اقتصاديا أو عسكريا أو أمنيا، انما كانت في حقيقتها نتاج ذلك الواقع الذي عمل النظام السوري وأتباعه في لبنان على فرضه عليه بالقوة… من خارج الحدود، ومن داخلها على حد سواء.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل يتغير الحال في لبنان، وقد بدأت قوات النظام السوري (بل والنظام كله) تخرج فعلا من سوريا نفسها في هذه المرحلة؟.¬
 

Exit mobile version