في 14 ايلول 1982 لم يستشهد بشير الجميّل كرئيسٍ لبناني، وقائدٍ مسيحي، فحسب، بل استشهد معه المشروع، والحلم، والأمل… الجرح المسيحي العميق، الذي تركه بشير باستشهاده لم يندمل بالكامل حتى اليوم…
اغتيل كمال جنبلاط ولم يسقط "المشروع" الدرزي، فبويع ابنه "بالخلافة"، وتوالت المسيرة… ومثله اغتيل عباس الموسوي، ولم تنشأ من بعده إشكالية "الخلافة" شيعياً، فعُيّن حسن نصرالله ولم ينتهِ مشروع "حزب الله"… اغتيل رفيق الحريري، فأجمعت الطائفة السنّية على زعامة سعد الحريري، ولم يعترض احدٌ على ذلك…
وحدها المارونية تكبدّت الخسائر والدماء والإنقسامات والتشرذم، ثمناً لسقوط القائد… وحدها المارونية تُصاب بالإحباط مع سقوط القائد، لأنها هي من انتجته اولاً واخيراً، فلم يُولّ عليها من مرجعيةٍ أعلى، ولم يُورّث، تشبّثاً بتقاليد او طقوس مُعيّنة، ولم يأتِ بالعاطفة او بالإنتخاب، وإنما بالتضحية، والصراع، والنضال والمقاومة… و"الأمر لي"…
للقيادة عند الموارنة مكانةٌ خاصة، تكاد توازي بأهميتّها وجود هذا المجتمع بحدّ ذاته. القائد الماروني هو المرجعية النهائية، بينما قد لا يكون "القائد" عند الآخرين إلاّ مجرّد وسيطٍ لولوج باب المرجعية الأخيرة… المارونية طائفةٌ متحجّرةٌ في استقلاليتها…
في اوج علاقتها بالبابوية، حاربت المارونية "الليتَنة" لتحافظ على استقلالية طقوسها وتقاليدها… حتى إنضمام المارونية رسمياً الى الفاتيكان، لم يحصل إلاّ في عصورٍ متأخّرة.
عندما نزحت المارونية من ارضها الخصبة في سوريا الشمالية الى منحدرات جبل لبنان الوعرة، كانت طوائف اُخرى تُقايض استقلالها برغد العيش، وخصب المرعى…
امّا اكثر ما اثار إعجاب الرّحالة الغربيين ودهشتهم، فكان عناد الفلاح الماروني في مواجهة صعوبات الطبيعة للإحتفاظ باستقلاليته، فـ "الفلاّحون يُعلّقون واحداً منهم بحبل ويُدلّونه من على حافة شير خطر بغية الوصول الى جيوبٍ ترابية في المنحدرات الصخرية، بغية زرعها واستثمارها".
الإستقلالية تأسر المارونية، حتى ولو قادتها في النهاية الى حافة منحدراتٍ صخرية خطرة… او الى قَعرِها. هكذا انتفض التصويت الماروني على ما عُرف بالتحالف الرباعي، وهكذا عاد الموارنة وصوّتوا بغالبية الثلثين ضد تبعية ميشال عون لـ"حزب الله".
"حزب الله" عوّم ميشال عون، ورفده بالدعم السياسي والمالي والإعلامي، لا لشيء إلاّ للتعويض عن سلبه استقلاليته… ولكن مع ذلك، صارت ظاهرة عون اشبه ما يكون بجثّةٍ مُنتفخة مُتضخّمة، فقدت روحها المارونية الإستقلالية، واحتفظت برواسب وترسبّات تبعيتها لـ"حزب الله".
سمير جعجع لم يفز بهكذا دعمٍ من حلفائه، ولكنه احتفظ بالروح الإستقلالية المارونية… بعرق جبينك تستحقّ مواقعك، حتى ولو كان هذا الموقع مجرّد حاجبٍ او مأمور احراج؛ ولكن في المُحصّلة، انتصر سمير جعجع في مراكمة النقاط، وتحولّت هذه الروح الى قوّة جذبٍ استقلاليةٍ كُبرى، انعكست بدورها حجماً سياسياً ووطنياً متنامياً…
اهميّة سمير جعجع اليوم، ليست بشخصه، بقدر ما هي في تحوّل هذا الشخص الى مشروعٍ استقلالي للمسيحيين، قائمٍ بحدّ ذاته.
إذا سقط ميشال عون، يسقط بمفرده، او في احسن الأحوال، مع صهره والحاشية… امّا إذا سقط سمير جعجع فيسقط المشروع بكامله!
سقوط سمير جعجع، هو سقوطٌ لجمهورية البطريرك الحويّك، وقيام لولاية نصرالله…
من اراد اغتيال سمير جعجع كان يُعدّ جيداً لسيناريو اغتيال بشير الجميّل في جزئه الثاني والمُتمّم، يسقط المشروع الكبير، تنام القضية في أدراج النسيان، تستعر الخلافات على بقايا "تركة" وهمية داخل صفٍّ واحد، يُقسّم المُقسّم، يُجزّأ المُجزّأ، يستقوي بعض الداخل بالخارج على البعض الآخر…
والى ان يأتي "سمير جعجع آخر" يفرض نفسه مجدداً، فيتخطّى حواجز الثقة، والتشرذم، والصعوبات، يكون قطار الوجود المسيحي… قد فات اوانه.
فرضية ان ينتج المجتمع المسيحي سمير جعجع ثانٍ، يملأ جزءاً اساسياً من فراغٍ سبق لسمير جعجع أن ملأه بعد غياب البشير، ليست مؤكّدة بتاتاً. قالها بشير الجميّل يوماً ما: "إذا لم يأتِ 6000 بشير من بعدي فستّين سنةٍ عليكم"… ولا شكّ انه اُصيب بإحباطٍ كبير.
جاء 6000 بشير من بعده، ولكن بـ 6000 عقلية، و6000 خلافٍ داخلي، و6000 مقاربة سياسية، ولو لم يخرج "سمير جعجع الأول" من رحم المعاناة، والتخبّط، والتشرذم، والضياع المسيحي، ليقول "الأمر لي"، ويوقف الدورة العبثية، لكان الأغراب والديكتاتوريون يُحيون اليوم اليوبيل الفضّي لسقوط آخر معاقل الحريّة في الشرق…
فهل يتحمّل المجتمع المسيحي بعد، ظهور 6000 سمير جعجع من جديد؟!!
سقوط سمير جعجع الأول، قد يكون سقوط المسيحيين الأخير.
ديوجين قضى العمر يحمل مصباحاً بحثاً عن رجلٍ فاضلٍ، لم يجده يوماً.
سقوط سمير جعجع، كان ليُحوّل المسيحيين الى "ديوجينيين" اضاعوا العمر في طلب القائد-المُحال…
سقوط سمير جعجع الأول هو دخوله بمفرده في التاريخ… ودخولنا جميعاً في مجاهل التاريخ، او خروجنا جماعاتٍ من الجغرافيا…
السنديانة الأم تنثر آلاف حبّات البلوط عند جذعها، لكن الطبيعة حتّمت على نبتة البلّوط الاّ تنمو في ظلال السنديانة العتيقة. السنديانة العتيقة قامت بواجبها تجاه سُنّة الحياة، لكن قوانين الطبيعة لا ترحم…
الزراعات المتطوّرة صار بإمكانها اقتلاع اشجارٍ مُعمّرةٍ من جذورها، واستبدالها بأشجارٍ مُعمّرة اُخرى، وكأن شيئاً لم يكن…هذه التقنية لم تصل بعد الى الموارنة… الموارنة "قليلو الإيمان" بالزراعات المستوردة. جغرافيتهم القاسية عوّدتهم على مواكبة نمو زرعهم، بالعرق، والمثابرة، والإجتهاد، والتشكيك، والتشذيب، لحظةً بلحظة…الأغصان المُثمرة بالعرق تُروى، والعيدان اليابسة في النيران تُرمى…
بحسب التقليد الكنسي، فإن توما الرسول امضى فترةً طويلةً من حياته في شمال سورية، ثم دُفن فيها لاحقاً… ولا شكّ ان المئات ممّن اعتنقوا المسيحية على يده في تلك الأنحاء، تحوّلوا الى المارونية في ما بعد… توما الرسول هو رمز التشكيك بالمسيح في التاريخ الكنسي… ولكنه رمز الشجاعة المسيحية ايضاً…
عندما مات لعازر حاول التلاميذ ثني يسوع عن الذهاب الى اليهودية، لأن "الأعداء" كانوا يتربّصون به شرّاً، لكن يسوع اصرّ على الذهاب، وحده توما، تجرّأ على القول: "لنذهب نحن ايضاً للموت مع يسوع"… فكان له الكلمة الفصل بين التلاميذ.
قدر المارونية ان تُشكك، وتنقسم على ذاتها، وتكون "قليلة إيمانٍ" في البداية، قبل ان تجعل من قائدها ايقونةً مقدسّةً في النهاية…
قدرها أن تُقدّم القادة التاريخيين بالقطّارة، وأن تسخى بالشهداء والمصابين كشلاّلٍ هادر.
قدر المارونية ان تُعتّق قادتها في خوابي "قانا الجليل" ليختمروا جيداً، حتى تفخر بهم لاحقاً امام جميع "المدعوّين"… والشعوب!!
قدر المارونية، ان ترتقي بقائدها، بعد اجتيازه معمودية البقاء، الى مستوى المشروع، والمصير، والوجود، والبقاء…
امّا قدر قادة المارونية النادرين، من امثال "سمير جعجع"، فهو ان يكونوا مشاريع شهادةٍ دائمين، على مذبح قضيةٍ ووطنٍ واستقلالٍ… وجمهورية!