كتب جورج شاهين في "الجمهورية": بدأ الجيش الإسرائيلي ببناء جدار عند الحدود الإسرائيلية – اللبنانية الجنوبية، وسط إجراءات دوليّة مهّدت لها قيادة "اليونيفيل" بتفاهم لبناني – إسرائيلي هو الأوّل من نوعه. فهل يؤسّس هذا التفاهم برعاية دولية لبدء المحادثات بين الجانبين للتفاهم حول حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة؟
هل يفتح الطريق للتفاهم؟
يقول المُطّلعون على سير المفاوضات التي رافقت هذه الخطوة إنّ القوّات الدولية تردّدت كثيراً في إعطاء الإذن إلى القوّات الإسرائيلية للبدء ببناء الجدار الأوّل من نوعه على الحدود مع الجنوب اللبناني من دون موافقة الجانب اللبناني وتوفير الظروف الملائمة كي لا تهتزّ الهدنة بين البلدين بالدرجة الأولى، ومخافة اعتباره بالمقياس الدولي
بـ جدار "الفصل العنصري" الذي بنته إسرائيل على الحدود التي لم تُرسم بعد بينها وبين أراضي السلطة الفلسطينية في الضفّة الغربية وغزّة ثانياً.
مخاوف دوليّة تلاشت
على هذه المخاوف، بنت القوّات الدولية تريُّثها في التعاطي مع بناء ما يشبه التفاهم الذي قام بين إسرائيل ولبنان عبر اللقاء العسكري الثلاثي الدوري الذي يُعقد في الناقورة برعاية أمميّة حول عملية البناء. وهو أمر سمح بالخطوة من دون أيّ ردّ فعل لبنانيّ سلبي، ووفق معادلة عبّرت عنها قيادة القوات الدولية بما سمّته في تقرير دوري خاص يُرفع الى الأمين العام للأمم المتحدة بـ"قبول لبناني" بالخطوة طالما إنّ الجدار يُبنى على أراض غير لبنانيّة وفي منطقة لا نزاع حدوديّا فيها كما هو حاصل في نقاط حدودية أخرى تسبّبت به عمليّة ترسيم الأمم المتّحدة للخطّ الأزرق.
على المقلب الآخر، تعترف المصادر المعنية بأنّ القوّات الدولية تعاطت مع القضية بتفاهمات دوليّة أخرى ساهمت في المضيّ برعايتها لهذه الخطوة على أمل أن تكون فاتحة لتفاهمات أخرى تنتظر الأمم المتحدة نقاشاً حولها متى جاء الضوء الأخضر من الأمم المتّحدة من دون أن تتخطّى حدود "ما يتّفق تماما مع ولايتها بموجب قرار مجلس الأمن الدولي 1701" ومنها على سبيل المثال لا الحصر أن يكون لها دور ما، بإشارة من الأمم المتّحدة ومجلس الأمن تحديداً إذا ما طلب إليها التدخّل في الخلاف القائم بين لبنان وإسرائيل بشأن المنطقة الإقتصادية الخالصة وحول الثروة النفطية التي يقول لبنان ويشكو المراجع الدولية من احتلال إسرائيل لمناطق واسعة منها بفعل ترسيمها للحدود البحرية بما يؤدّي بالشكل القائم اليوم الى وضع يد العدوّ الإسرائيلي على مساحات بحريّة واسعة بمئات الآلاف من الكيلومترات وهي حقّ من حقوق لبنان في هذه المنطقة والتي يرفض النقاش في شأنها وينوي رفع الأمر إلى المؤسّسات والمنظّمات الدولية لاستعادتها.
العارفون بخفايا الملفّ يتحدّثون عن مساعٍ لبنانية سابقة بُذلت لتوفير قرار من الأمم المتحدة للمشاركة أو رعاية مفاوضات كتلك التي تقوم بين دولتين عدوّتين ما يضمن حقوق لبنان المسروقة. بعدما سبقت ذلك بشكوى الى مجلس الأمن الدولي تتّصل بهذا الملفّ لكن أيّ ردود نهائيّة وحاسمة بطلب قبول التدخّل لم يتبلّغها لبنان الى اليوم.
مؤشّرات دولية إيجابيّة
ولذلك، فقد توقّفت مراجع لبنانية معنيّة بهذا الملفّ عند تصريحات لمسؤولين أمميّين تُنبئ بالنيّة برعاية مثل هذا الحوار ليتزامن مع بدء الاتّصالات التي قادها لبنان مع الجانب القبرصي الذي يشكّل الطرف الثالث في أيّ اتّفاق مماثل يتناول المنطقة الاقتصادية. باعتبار أنّ جزءاً من الاعتداءات الإسرائيلية على الحقوق اللبنانية رصدت وثبتت من خلال الاتّفاق الذي أبرمته والسلطات القبرصية التي ما لبثت أن عبّرت عن تضامنها مع لبنان وأقرّت ببعض الأخطاء التي ارتكبت مؤكّدة على أعلى المستويات استعداداها لتكون الطرف الثالث في أيّ تفاهم جديد يضمن الحقوق اللبنانية بالكامل.
وعليه، رصدت المراجع المعنية بارتياح ما أعلن عنه ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان ديريك بلامبلي عن الاستعدادات لدى الأمم المتحدة لرعاية مفاوضات بين الطرفين لمناقشة مسألة الأمن البحري في الاجتماعات الثلاثية التي تُعقد في مقرّ اليونيفيل في الناقورة ما يعني ملف الثروة النفطية تحديداً. لكنّها توقّفت عند دعوته المبطّنة الى الجانبين في هذا الاتّجاه عندما أضاف في تصريح له في 20 نيسان الماضي الى أنّ "الأمر يتطلّب توافر إرادة لدى الطرفين لمناقشة هذا الجانب". كما قال في حينه.
هوف يتبنّى موقف لبنان
ثمّة عنصر آخر تتوقّف عنده المراجع المتابعة لهذا الملف وهو يتّصل بالجهود التي يبذلها موفد الإدارة الأميركية لعملية السلام في المنطقة فريديريك هوف الذي أنجز وفق معلومات مؤكّدة في زياراته المكّوكية الى لبنان وإسرائيل ودول المنطقة ملفّاً خاصّاً بترسيم الحدود البحرية بين البلدين.
وفي معلومات مراجع لبنانية بارزة أنّ هوف أبلغ من يعنيهم الأمر في لبنان في آخر زيارة له انّه يتبنّى الموقف اللبناني الذي حواه تقرير مفصّل وضعته المراجع المختصة في الجيش اللبناني حول ملفّ النفط في المتوسط وتحديدها العلمي الدقيق لحدود لبنان البحرية في المنطقة الإقتصادية، ما يضمن موقفاً أميركيّا الى جانب لبنان في سعيه الى حقوقه النفطية، ما يؤدّي الى فتح الطريق امام مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين برعاية الأمم المتحدة، وهو أمر تشجّع عليه الإدارة الأميركية التي تبنّت أيضاً رأي العديد من الشركات الدولية المتخصّصة في قطاع النفط والتي لا تعمل في مناطق متنازع عليها بين الدول.
وإلى ما تقدّم برزَ سؤال مشروع مطروح بقوّة على المعنيّين بالثروة النفطية في لبنان وبعلاقات لبنان الدولية، هل يؤسّس القبول ببناء الجدار على محور كفركلا – المطلّة لتفاهم على ترسيم المنطقة الاقتصادية بين البلدين؟ وهل يمكن تكرار التجربة الناجحة التي قادتها اليونيفيل في الجنوب؟ قبل البحث في أيّ جواب، سلبيّاً كان أم إيجابيّا، يسود الاعتقاد قويّاً بالحاجة إلى قرار سياسيّ لبناني مطلوب بقوّة لعبور هذه المراحل كلّها ليدخل الجيش اللبناني في السعي الى تفاهمات تؤدّي الى ترسيم الحدود البحرية عبر اللجنة العسكرية الدائمة اللبنانية – الإسرائيلية – الدولية؟