تحزنك أخبار مصر، تحزنك إلى حدّ التوجّع على أم العرب وقلبهم، فالمصريون يبدو أنهم فهموا الديموقراطية غلط ـ هذا إن كانوا فهموها ـ وبدون شك لسنوات الكبت للحريات وموت العمل السياسي والحياة الحزبية القاحلة لها دور كبير في حالة عدم فهم الديموقراطية التي يعيشها معظم المهمشين والفقراء والعواطلية والبلطجية وهم شرائح إجتماعية لا يُستهان بها، في ظلّ خيبة حقيقية لكل من تتبع ما أفضت إليه ثورة يناير، والتي إذا استمر الحال على ما هو عليه في مصر، سيتم استبدال كلمة ثورة بأحداث، لأن النتيجة أفضت إلى «نتائج انتخابية كارثيّة» حملت «الظلاميين إلى مقاعد البرلمان ومشاريع قوانينهم «المروعة» التي بلغت ـ على ما تناقلته الضجة الإعلامية في مصر ـ حدّ الحديث عن مشروع قانون يسمح بـ «مضاجعة الوداع» خلال الساعات الست الأولى من وفاتها!!
هذا عدا عمّا أفضت إليه فكرة «التظاهر المليوني»، إلى حالة عبثيّة فوضوية باتت تلحق ضرراً حتمياً بمصر وتحدث اضطراباً غير مسبوق في حياة المواطن المصري العادي البسيط الذي يشعر بانكشاف شديد في أمنه ومستقبله ومستقبل أولاده واقتصاده وهلمّ جراً في المخاوف المشروعة لأي مواطن.
نعم هناك «موقدو فتنة» في مصر، والأيدي العابثة كثيرة، والدول الخبيثة أكثر بكثير، ولكن ما لا يفهمه أي مواطن عربي هو هذا المشهد غير المسبوق في تاريخ علاقات مصر الديبلوماسية، ولماذا تركت الأمور على غاربها لتصل إلى هذا الحدّ، ولتصبح «السفاهة» أمام المؤسسات الديبلوماسية في القاهرة، أو في بيروت، ثمة ما يستطيع عقل تفهمه، فالعمالة المصرية في السعودية تصل إلى 2 مليون عامل مصري، والسؤال المخيف: ماذا لو عاد أو أعيد نصف هؤلاء إلى مصر؟!
وكيف لا يُعاقب محامي يخرج إلى العلن ليهدد بجلد السفير السعودي في القاهرة في حال جلد ـ بحسب القانون في السعودية، مع رفضي التام لتطبيق هذا النوع من العقوبات لأن إدراجها ونسبتها للشريعة الإسلامية مجرّد فتوى من شيخ ـ مواطن مصري تم القبض عليه وبحوزته أدوية مهدّئة أو مخدّرة، وبصرف النظر عن مهنته!!
ثمة في مصر من يريد أن تفلت الأمور على الغارب، ومن يريد أن يحوّل الثورة إلى مسخ، في وقت بات فيه كثير من المواطنين العرب يتساءلون، هل كانت ثورة أم فوضى؟ ثمّ ؛ لماذا ما زالت الشريحة الكبرى من الشعب المصري صامتة تاركة للغوغاء تقرير مصيرها في الشارع تارة بالبلطجة وتارة بالتهديد بإسقاط المجلس العسكري في الشارع، وأي تيارات إسلامية ممسوخة مشوهة تريد أن تقبض على مصر وهي بلد الأزهر الشريف والعلماء والفقهاء، وهل خلت مصر من العلماء حتى يتصدر المشهد أهل الجهل والغلظة؟!
ما يحدث محزن جداً، فإن سقطت مصر في الفوضى غرق العالم العربي كلّه في ظلمات حالكة، هذه ليست مصر التي نعرفها ولا مصر التي نحبها ولا مصر التي أمر الأنبياء بأن يهبطوا فيها آمنين