Site icon Lebanese Forces Official Website

“الجمهورية”: فيلتمان وليبرمان يخوضان الرئاسة الأميركية في لبنان

كتب طارق ترشيشي في "الجمهورية":

يعتبر مراقبون انّ افتتاح مساعد وزيرة الخارجية الاميركية جيفري فيلتمان جولته في لبنان بزيارة رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط، هو بمثابة إعلان عن مضمون الزيارة نفسها.

ففيلتمان، حسبما يقول سياسيون، يعتمد في زيارته على خطين متوازيين، أولهما دعم الاستقرار الحكومي في لبنان، وثانيهما الضغط في اتجاه استخدام لبنان مقراً وممراً لمعارضي النظام السوري، بمَن فيهم المعارضة المسلحة.

ويتطابق هذا الموقف مع موقف جنبلاط بالذات الذي أثبت أن في استطاعته ان يكون حليفاً في السياسة الداخلية لحلفاء سوريا في لبنان، وأن يكون معارضاً لاذعاً للنظام السوري في الوقت نفسه، ومن الطبيعي ألّا تلقى توجيهات فيلتمان هذه، وإن صَحّت، ترحيب قوى "14 آذار"، ولا سيما منها تيار "المستقبل" برئاسة الرئيس سعد الحريري الذي يتخذ من التحريض ضد النظام السوري، بكلّ ما يرافقه من إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية، مدخلا للانقضاض على حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. فماذا يفيد كل هذا الهجوم على دمشق اذا كان لا يؤدي الى الثأر من "انقلاب" ميقاتي عليه في 25 كانون الثاني 2011 ؟ لكن حسابات الكبار، حسبما يقول هؤلاء السياسيون، لا تنطبق كثيراً على حسابات الصغار، فواشنطن وحلفاؤها الغربيون يعتمدون في لبنان سياسة تخفيف الخسائر، لأنهم يدركون أنهم في ظل المعطيات المحلية والاقليمية والدولية ليسوا في وارد استعادة سيطرتهم على لبنان، خصوصاً انهم جرّبوا كل الوسائل، بما فيها "ثورة الارز" و"حرب تموز"، ولم يفلحوا في ذلك.

اما في الشأن السوري، فيمكن فهم زيارة فيلتمان بنحو واضح إذا قُرئت في ضوء زيارة أخرى تزامنت معها هي زيارة السيناتور الاميركي جوزف ليبرمن، المعروف بولائه الكبير لحزب الليكود الاسرائيلي. فـ ليبرمن يزور لبنان بعد زيارة خاطفة للرياض، وقبلها زيارته تركيا في وقت سابق يرافقه زميله جون ماكين، وهو حرص على زيارة مخيمات النازحين السوريين في تركيا، كذلك حرص على زيارتها في لبنان ايضا.

وقد كان لـ ليبرمن تصريحات بعد زيارته تركيا قال فيها إن الجميع ينتظر واشنطن لكي يباشر إجراءات عملية ضد سوريا، غامزاً بذلك من قناة سياسة الرئيس باراك اوباما التي تتجنب حتى الآن التورّط في عمل عسكري ضد دمشق يعيد الى الاذهان هزائمها وخسائرها في العراق وافغانستان.

فهل يخوض فيلتمان "الديموقراطي" مع ليبرمن "الجمهوري" المعركة الانتخابية الرئاسية على أرض لبنان؟ أم أن فيلتمان يحاول أن يستفيد من النبرة العالية لـ ليبرمن ضد دمشق لكي يمارس بدوره ضغوطا على حكومة ميقاتي لكي تسهّل مرور السلاح والمسلحين الى سوريا؟

على رغم انّ الميول الاسرائيلية، حسبما يقول العارفون في السياسة الاميركية، تجمع بين ليبرمن وفيلتمان، فقد لاحظ متتبعو زيارتيهما لبيروت انّ ليبرمن لم يقابل رئيس مجلس النواب نبيه بري، بل قابل رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وميقاتي، فيما حرص فيلتمان على زيارة بري.
الّا أن اللافت كذلك هو تزامن زيارتي فيلتمان وليبرمن مع زيارة نائب الرئيس الإيراني محمد رضا رحيمي للبنان، الى درجة أن ليبرمن اضطر الى الدخول الى السراي الحكومي تحت العلم الايراني الذي كان مرفوعا لاستقبال رحيمي.

على ان في الزيارتين ما هو لافت اكثر من التزامن، وهو ان رحيمي جاء في جعبته مجموعة مشاريع تحمل حلولاً لمشكلات عالقة في لبنان ذات طابع اقتصادي واجتماعي وتربوي، فيما لم يحمل المسؤولان الاميركيان، حسب مصادر وثيقة الصلة بجهات رسمية لبنانية، إلّا المشكلات التي تزيد الامور في لبنان تعقيداً، ما يكشف الفارق بين مقاربة واشنطن للأوضاع في المنطقة ومقاربة الآخرين. ففي حين يسعى هؤلاء، وبينهم طهران، الى كسب لبنان الى جانبهم، يسعى المسؤولون الأميركيون الى أن يكسبوا من لبنان لمصلحة سياستهم الاقليمية والدولية. ويلاحظ سياسيون في هذا السياق ان واشنطن بدأت تتلمس خسائرها المتزايدة في المنطقة، بدءا من البحر الابيض ووصولا الى البحر الاصفر، مرورا ببحر قزوين بكلّ ما يختزنه من موارد نفطية وغازية، وبهذا المعنى يرتفع سعر لبنان لدى الادارة الاميركية لأنه بات يشكل الملاذ الأخير لبقايا نفوذها المتراجع في منطقة تشمل أيضا سوريا والعراق وايران وافغانستان وباكستان والهند.

ويتساءل سياسيون هل يستطيع لبنان تحمل عبء السياسة الاميركية وهي تترنح في كل مكان؟ أم أن أكتاف اللبنانيين غير مستعدة لتحمّل وزن "الفيل الاميركي" المعروف بأنه شعار أحد الحزبين الأميركيين الكبيرين؟

لا شك في انّ الباخرة "لطف الله 2" والتحقيقات المتصلة بها تمويلا وتجهيزا وعبورا ستطغى على محادثات فيلتمان وليبرمن في لبنان، لأنهما يدركان قبل غيرهما كيف يمكن هذه القضية أن تتحول نكسة كبيرة في الخطة المعتمدة أميركياً وغربياً وخليجياً لتحميل النظام السوري وحده مسؤولية العنف في سوريا. لكن بيان الامم المتحدة امس الأول جاء ليحمّل الحكومة والمعارضة هذه المسؤولية معاً، ويعطي اشارات الى بداية تغيير في الخطاب الدولي الذي حرص منذ أشهر على النظر بعين واحدة الى ما يجري في سوريا. ولذلك يعتقد بعض السياسيين ان تصاعد موجة التفجيرات، وكثير منها صوتي، في دمشق والمدن السورية، بالاضافة الى المكامن والاغتيالات هو تعبير عن انسداد الأُفق امام القوى التي تورطت في التحريض والتمويل والتسليح في سوريا.

واذا اضيف الى هذا المشهد الدولي بداية خروج النظام الرسمي العربي من تحت سيطرة نهج التطرف المعتمد سابقاً ازاء دمشق، وسلوك دول عربية ذات وزن كمصر والمغرب والجزائر والعراق وموريتانيا والسودان واليمن وعُمان، مسلكا غير منسجم تماما مع مواقف التطرف التي يعتمدها بعض الدول الخليجية، فإنه يمكن إدراك ان دمشق قد بدأت تستريح جزئيا من "الطاقة" العربية التي انفتحت عليها كجهنم قبل اشهر.

وتؤكد مصادر وثيقة الصلة بالقيادة السورية ان معظم أجهزة مخابرات الدول الاوروبية قد رفعت تقارير الى حكوماتها تدعو الى مراجعة السياسات المعتمدة تجاه دمشق "لأنها كانت تعتمد معلومات مضللة وتقديرات خاطئة". وقد تردد في هذا الإطار ان مدير مخابرات إحدى الدول الاوروبية الرئيسية قد زار دمشق أخيراً، في محاولة لفتح علاقة بين بلاده والحكومة السورية.

فهل يكفي انحسار موجة العداء لسوريا على المستويين العربي والدولي للجم القوى العربية والإقليمية المصرّة على الاستمرار في نهج التحريض؟ أم هل باتت هذه القوى المتورطة في التحريض مستعدة للمصالحة مع سوريا وإطفاء النيران المشتعلة فيها، مثلما جرى في حالات عربية أخرى. واللبنانيون قبل غيرهم يذكرون أن "حرب السنتين" ما كانت لتنطفىء عام 1976 الّا بعد مصالحة الرئيسين حافظ الاسد وأنور السادات في قمة الرياض آنذاك، وأنّ نيران "حرب التحرير" عام 1989 ما كان لها أن تخمد لولا قمّة الدار البيضاء التي أعادت مصر الى الجامعة العربية، واعادت السلم الاهلي الى لبنان عبر "اتفاق الطائف"، الذي يقول قريبون من دمشق إن "ليس مطلوباً من الحكومة والقوى السياسية اللبنانية سوى قراءته مجدداً، ولا سيما في البند المتعلق بالعلاقات اللبنانية ـ السورية".

Exit mobile version