#dfp #adsense

الكلام الانتخابي يتصدّر الساحة رغم الظروف الإقليمية

حجم الخط

مع إصرار الفرقاء على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها صيف العام المقبل، تصدّرت الشؤون الانتخابية الساحة الداخلية، حيث بدأ كل فريق العمل ليجري الاستحقاق الدستوري وفق قانون يساعده على تأمين الأكثرية، خصوصا انه يقرر مصير البلد حتى العام 2020، رغم الظروف الاقليمية الساخنة خصوصا في سوريا التي لا بد وأن تؤثر على مجراها بشكل أو بآخر.

حتى الآن تبدو مقاربات "قوى 8 آذار" للقانون الانتخابي فئوية لا تحقق كما يجب المصلحة الوطنية ولا تؤدي الى تمثيل صحيح، مخالفة بذلك نص وروح "اتفاق الطائف" الذي وضع حداً لحرب أهلية استمرت خمسة عشر عاماً (1975-1990). فتصحيح التمثيل، خصوصا المسيحي، يتطلب أولا قطيعة مع ممارسات عهد الوصاية السورية التي انقلبت على "اتفاق الطائف" واستتبعت كل الاطراف.

حالياً يتّبع حلفاء سوريا العقلية التي سمحت لدمشق بالتحكم في كل المفاصل الانتخابية على مدى خمسة وعشرين عاما، منذ مفاوضات "اتفاق الطائف" وحتى خروج آخر جنودها من لبنان عام 2005، في الوقت الذي يهتز فيه النظام الاسدّي والذي بات فيه مصير أفوله محسوما مهما استغرق من الوقت.
هؤلاء وبعد أن ربحت "قوى 14 آذار" التي كان جنبلاط في صفوفها دورتين انتخابيتين (2005 و2009) يطرحون اليوم النسبية في كل لبنان دائرة واحدة أو في دوائر كبرى، ساعين بذلك الى تأمين أكثرية من دون جنبلاط المتحالف حاليا مع "قوى 8 آذار". لكن جنبلاط يرى في اعتماد هذه النسبية وسيلة لإحياء مفاهيم الوصاية السورية التي تجلّت تباعا بدءاً من مفاوضات "اتفاق الطائف" حيث فرضت رفع عدد النواب من 108 الى 128 لتأمين عشرين مقعدا اضافيا نشرتهم حيث يلزم.

وقد نص "اتفاق الطائف" على انتخابات تقام على اساس المحافظة بعد تقسيم اداري جديد حالت دمشق دون تنفيذه، خصوصا انها كانت تتمتع بتفويض اقليمي- دولي سمح لها بإجراء كل دورة انتخابية وفق قانون يؤمن مصالحها. كما أن دمشق وبعد انجاز الاتفاق استكملت عدد النواب بالتعيين ضاربة عرض الحائط بمصلحة المسيحيين، مما ادى الى مقاطعتهم دورة العام 1992 . فالوصي السوري كان يختار غالبية المسيحيين ويكلّف حلفاءه المسلمين باختيار القسم الباقي. وثمة عبارة متناقلة عن جنبلاط تلخص هذا الوضع، اذ كان يقول لمن يستشيره في إمكان ترشحه "اذا لم يكن اسمك واردا على لائحة الفائزين في الشام فلا تتعب نفسك".

وهكذا، يبدو توافق "قوى 8 آذار" على مبدأ النسبية ملغوماً من الأساس، خصوصا انها كانت مع مبدأ النظام الأكثري عندما أمن وصول ممثلي حليفها ميشال عون الى البرلمان. فـ"حزب الله" وحليفه الرئيس نبيه بري يريدان النسبية لأن نتائجها لن تختلف عن نتائج النظام الأكثري في مناطقهما بسبب سلاح يحول دون اقدام الخصوم على الترشح. لكنّ اعتمادها قد يؤمن وصول ممثلين لبعض حلفائه من السنّة والدروز أو من البعثيين والقوميين الى جانب التمثيل العوني .

وتتمسك هذه القوى بالنسبية غير عابئة بصعوبة اعتمادها مع توزيع طائفي ومذهبي، اضافة الى انها لم ترد في "اتفاق الطائف"، كما انها لا تصح الا في دوائر صغرى في ظل الانقسامات العمودية الحادة. ومما يجعل ضرورة القطيعة مع ذهنية الوصاية السورية اشدّ إلحاحا انها لم تكتفِ بما كانت تفرضه انتخابيا على المسيحيين بل كانت تتدخل في تفاصيل التحالفات والقوائم الانتخابية عند المسلمين، وأبرز مثال ما كان يجري مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومع أكثر المستفيدين من تكتيكات سوريا الانتخابية النائب جنبلاط. فقد حصروا تمثيل الرئيس الشهيد في بيروت رغم ان زعامته كانت على امتداد الوطن، وتدخلوا في تشكيل لوائحه عبر تضمينها "ودائع" تابعة لهم. كما فرضوا على جنبلاط تحالفا مع ايلي حبيقة وان يكون زاهر الخطيب كل مرة في لوائحه.

أما "قوى 14 آذار، الرافضة اسوة بجنبلاط النسبية المطروحة، فهي تسعى في الوقت نفسه الى اصلاح القانون السابق "قانون الستين"، وهو لا يزال الحالي قبل إقرار قانون آخر، بحيث يحسّن صحة التمثيل المسيحي تطبيقا للمناصفة الميثاقية.

ويبدو ان الصراع سيشتدّ كلما اقتربت الانتخابات خصوصا حول قانونها وإشراف حكومة حيادية عليها، الى جانب الخلاف القائم حول سلاح "حزب الله" وأوضاع سوريا. ومع اضافة الخلافات المستشرية داخل الفريق الحاكم على كل الملفات الاخرى المطروحة، يصبح احتمال العودة الى "قانون الستين" معدلا اقوى الاحتمالات.

فهذا القانون، اذا ارتكز على احترام الحلفاء لبعضهم، يؤمن صحة تمثيل وان لم تكن مطلقة بسبب الخلل الديموغرافي. وعلى الاحزاب ان لا تحتكر الترشيحات بل ان تسعى الى تمثيل أصحّ يغني البرلمان بخبرات تشريعية واقتصادية وحقوقية… خصوصا وان الطرح الذي يؤمن نظريا صحة التمثيل المسيحي (طرح اللقاء الارثوذكسي) يخلّ بالميثاقية والعيش المشترك اهم ركائز "اتفاق الطائف" الذي ما زال الافضل لبناء دولة المؤسسات، على ان يؤمن مناصفة فعلية لا شكلية وصولا الى يوم يصح فيه اعتماد قانون للانتخابات خارج القيد الطائفي.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل