كتب أحمد الطاهري في صحيفة "الوطن" المصريّة:
في طريقنا لأعلى نقطة من جبل لبنان كان المرور المتعثر بنقاط التفتيش، التى أقامها الجيش، يبدد بهجة المناظر الخلابة، ويضفي مزيداً من التوتر على طريقنا المحفوف برائحة الخطر والرصاص، وكاد يحول حرباً سياسية معلنة بين الفرقاء هنا إلى مواجهة دامية على خط تقسيم بيروت من جديد.
في "دارته" – كما يحلو للبنانيين تسمية مقراتهم الحزبية والرسمية – في منطقة معراب، استقبلنا "الحكيم"، كما يدعوه أنصاره ومعجبوه، معتذراً عن صرامة الإجراءات الأمنية، بمحاولة الاغتيال "النوعية" التي استهدفته أوائل الشهر الحالي، وما زال حلها لغزاً يستعصي على أجهزة الأمن الداخلي.
سمير جعجع يظل رقماً صعباً في المعادلة السياسية اللبنانية، التي تمثل مختبراً لما هو قادم في المنطقة، لذا فإن تأكيد رئيس حزب "القوات اللبنانية"، بأن حرباً أهلية لن تقع فى مصر، يصبح ذا أهمية بالغة لدى المحذرين من تلك الحرب، على خلفية السجال المحتدم على الساحة المصرية، بين قوى مدنية وأخرى إسلامية.
داخل منزله، يبدو الأمر مختلفاً، طوفان من المسئولين الحزبيين، وخلية نحل من مساعديه، نزع نفسه منهم عنوة، وبادرنا بسؤال عن مصر وأحوالها، قبل أن نبدأ هذا الحوار.
]برأيك… لماذا تلاحقك صورة السفاح ذات اليد الملوثة بالدماء، من دون فرقاء الحرب الأهلية اللبنانية، رغم مرور 23 عاماً على المصالحة؟
ــ مبادراً: "القاتل المجرم".
]هذه صورتك الذهنية الشائعة لدى كثير من اللبنانيين؟
ــ سأحاول أن أشرح لك، مع أن الجواب – عملياً – بسيط جداً، المسألة باختصار تكمن في أنني لم أكن منصاعاً للنظام السوري وحلفائه في لبنان منذ اللحظة الأولى، سواء أيام الحرب أو السلم، هذا السلم الذي دفعنا ثمنه غالياً، ولم أقبل بشروطهم في اللعبة السياسية، لذا يحاولون إخضاعي بشكل مستمر، من خلال الاغتيال السياسي، وحين فشلوا لجأوا مؤخراً إلي محاولة الاغتيال المادي، وأفضل وأسهل طريقة لكي تهاجم شخصاً أن تطلق عليه شائعة، قد تكون صحيحة في سياق ما، ويمكن أن يصدقها الناس، انطلاقاً من وجود المستهدف منها في مكان ما بشكل ما، من هذا المنطلق لم يجدوا أي شيء ينتقدونني به، إلا مشاركتي فى الحرب الأهلية. نعم، كنت موجوداً في الحرب مثل غيري، وعندما استلمت قيادة "القوات اللبنانية" عملت على تهدئة كل الجبهات، وحولت الميليشيا، التي كانت تنظيماً مسلحاً، إلى جيش منظم بانضباط كامل.
يتهمونني بالإجرام، ويصورونني كأنني الوحيد في تلك الحرب، وكأنه لم تكن هناك تنظيمات مسلحة من مختلف المشارب، ولا وجود للجيش السوري واستخباراته، ولا تنظيمات فلسطينية كثيرة، تسألني: لماذا سمير جعجع؟ وأجيب: انطلاقاً من الصراع السياسي الكبير الدائر في لبنان.
]مَن يتواصلون معك على الصعيد العربي صاروا، بالتبعية، هدفاً للنقد، مثل النائب المصري محمد أبو حامد، والقيادي التونسي عبد الرؤوف الريادى (الأول بسبب حضوره احتفالاً حزبياً لـ"القوات اللبنانية"، والثاني بسبب رسالة دعم شخصية). ما تعليقك؟
ــ "حزب الله" وسوريا وإيران، لم تعجبهم أبداً علاقاتي العربية "المستجدة"، كما لم يرضهم أن تشارك شخصيات عربية في احتفال "القوات اللبنانية" الأخير بكلمات لم تعجبهم على الإطلاق، لذلك سارعت هذه الأطراف إلى محاولة تطويقي بالعودة إلى الماضي، وادعاء أشياء لا علاقة لي بها، فعلى سبيل المثال قالوا: "هذا قاتل الأطفال فى صبرا وشاتيلا"، وأتمنى عليك أن تعود إلى كل التقارير والتحقيقات التي جرت بشأن هذه القضية، سواء كانت دولية أو عربية أو حتى إسرائيلية، وأن ترى أين اسمي فى هذه التحقيقات، بل أتمنى عليك أكثر من ذلك، أن تسأل السلطة والفصائل الفلسطينية، عن دوري فى تلك المجزرة، فلا أحد يعرف بالأمور الفلسطينية أكثر منهم، وسيأتيك الجواب فوراً: "لا وجود له"، لأنني لم أكن موجوداً على أرض الواقع، هذه من أكاذيب مَن يأخذون وقائع من الحرب اللبنانية ويلصقونها بي.
]لماذا؟
ــ ماذا تريدهم أن يقولوا؟! إن "جعجع" دفع ثمناً غالياً لإنهاء الحرب الأهلية والدخول في اتفاق الطائف، ومقاومة عهد الوصاية السورية، وجرى الزج به في السجن، لأنه لم يوافق النظام السوري على ما كان يريده في لبنان؟! أم تريدهم أن يقولوا: إن "سمير" دأب على ترسيخ شراكة مسيحية – إسلامية، تخطت حدود لبنان، منذ خروجه من الاعتقال؟!
إنهم لا يستطيعون إلا العودة لحديث الحرب، ويعرضون مقاطع من مجزرة صبرا، التي كانت مأساة حقيقية، ويضعونها على حسابي، ويتجاهلون الفاعل الأصلي. نعم، كنت مشاركاً في الحرب، لكني كنت مقاتلاً شريفاً والجميع يعرفون ذلك.
]دعنا ننتقل إلى المشهد الإقليمي، ما قراءتك لوضع المنطقة بعد عام ونصف العام من انطلاق ثورات الربيع العربي؟
ــ أولاً: ما يجري هو تحول تاريخي بكل معنى الكلمة، ليس بالسهل أو البسيط، وبين قوسين، إنها من المرات القليلة التي تقوم فيها شعوب المنطقة بتحديد مصيرها بيدها، وتدخل خارجي لاحق لتحرك الشعوب، أو بـ"استلحاق" خارجي فيما بعد.
ثانياً: هذا مخاض ما زلنا في خضمه، فلم ينته الربيع العربي بل بدأ لتوه، وأعتقد أن هذا المخاض سيستمر سنوات طويلة نسبياً، وسيستغرق في بعض الدول وقتاً أطول من دول أخرى، لكنه سيدوم من أجل الوصول إلى وضع مستقر في كل الدول العربية، ويجب علينا إدراك ذلك وعدم الاستعجال، ومواكبة هذه الثورات.
]ما ملامح هذا الصراع؟
ــ صراع بين اتجاهين عريضين: اتجاه الاعتدال والدولة المدنية والمواطنة السوية والمساواة فى الحقوق والواجبات بين المواطنين، واتجاه آخر دعني أسمه أقل تطوراً وانفتاحاً واعتدالاً. وبدأت بشائر هذا الصراع تظهر في مصر، وستبدأ بالظهور أكثر وأكثر في تونس، بينما لا تظهر أي بشائر في سوريا للأسف، فما زلنا في البداية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المجتمع السوري يميل ناحية الاعتدال والتعددية أكثر من أي شيء آخر، هذه هي الصورة التي برأسي للوضع في المنطقة للسنوات الثلاث أو الخمس المقبلة.
]بعض المحللين يشبهون الوضع الحالي في مصر بلبنان منتصف السبعينات، ويتحدثون عن بوادر انزلاق لحرب أهلية بين القوى المدنية والإسلامية، ما تقييمك؟
ــ لا أتمنى أولاً، ولا أعتقد ثانياً، باتجاه مصر نحو حرب أهلية، لأن الوضع لديكم يختلف تماماً عنه في لبنان، صحيح هناك مجموعات واتجاهات وفرقاء متعددون، ولكن شعور المصريين بتاريخهم ظل طاغياً على الدوام، لكن الصفة الطاغية على الوضع اللبناني هي تعددية الصبغة التاريخية، إذا جاز التعبير، وعلى سبيل المثال لا خلاف بينكم على تاريخ مصر وجذورها، ولا أعتقد أن مصرياً يحاول التهرب من تاريخه الفرعوني، مهما كان انتماؤه الديني أو السياسي، بينما لدينا خلاف على جذور الشعب اللبناني، كما أن هناك فارقاً أساسياً عملياً، هو وجود "جيش مصري" متماسك ذات عقيدة "دولاتية"، تتعلق بوجود الدولة، وإداراتها ووزاراتها الموجودة منذ قديم الزمن، ودليل ذلك أن تلك الإدارات لم تكن متصلة مباشرة بالحوادث الداخلية، واستمرت في العمل وكأن شيئاً لم يكن، وفي طليعة تلك الإدارات في هذا الشأن بالتحديد "الجيش المصري" وهو على ما هو عليه، وأستبعد أن ينزلق الوضع إلى "حرب أهلية"، أعرف أن ما تشهدونه اليوم في مصر، جديد على المصريين، ولكنه ليس جديداً علينا كلبنانيين، فهذه هي المرة الأولى التي تتمتع فيها مصر بحريات سياسية، منذ عشرات السنين، لذلك قد يقول البعض: "نحن على مشارف حرب أهلية" من المفاجأة، ولمجرد وجود فرقاء من عقائد سياسية مختلفة، يجب أن نعتاد جميعاً على الديمقراطية، وعلى وجود الآخر، وعلى اختلافنا معه، من هنا أستبعد نشوب حرب أهلية في مصر، مع أننى لا أستبعد احتدام اللعبة السياسية، وهذا طبيعي في مجتمع بدأ للتو مسيرته الديمقراطية.
]مضى أكثر من عام على الثورة في سوريا، ويذهب كثيرون إلى أن الرئيس بشار الأسد سيتمكن من البقاء مدة أطول، بسبب المواقف الدولية غير الحاسمة، رغم حمامات الدم المتواصلة… كيف ترى مستقبل دمشق؟
ــ بتقديري، إن آجلاً أو عاجلاً، لن يستطيع نظام "بشار" الاستمرار، إنها مسألة وقت. نعم، الموقف الدولي متردد جداً تجاه سوريا، بخلاف موقفه من مصر وتونس وليبيا، لكن مرد ذلك في تقديري لعدة أسباب، الموضوعية منها تتعلق بتعقيدات الوضع في سوريا، وتكوكب وحدات النخبة والقوة العسكرية بشأن النظام، فيما لم تتخذ موقف الجيش المصري، وتنأى بنفسها عن الدخول في الصراع الداخلي، بل هاجمت المدن والقرى، وأمعنت في اعتقال وتشريد وقتل السوريين، وهذا عامل معقد، فاليوم أنت في مواجهة نظام يختلف عن نظام القذافي.
]كيف تنظر لاختيار الرئيس السوري 7 أيار المقبل موعداً للانتخابات، بما يمثله من ذكرى سيئة لقوى "14 آذار"، فيما تسمونه "احتلال بيروت" بعناصر "حزب الله" قبل 4 أعوام؟
ـــ الانتخابات السورية غير جدية، سواء جرت في 7 أيار أو 8 نيسان ولا في 10 كانون الثاني، هذه مناورة من الرئيس الأسد.
]محاولة اغتيالك أعادت شبح الاغتيالات إلى الساحة اللبنانية، كيف جرت؟ وما يمثله سمير جعجع حتى يقرروا التخلص منه؟
ـــ بكل بساطة، كنت أتنزه في حديقتي، فانهالت علّي 3 رصاصات عيار 12.7، من بنادق قناصة، والتقدير المبدئي يؤكد إطلاقها من مسافة كيلو متر، في عملية نوعية، لأن الرماية بشكل دقيق على هذا البعد ليست بالأمر السهل.
أما لماذا سمير جعجع؟ ففي اعتقادي أن بعضهم يريدون تغيير توازن القوى في الداخل اللبناني، فضلاً عن دوري العربي، الذي بات يزعجهم، خاصة على مستوى مسيحيي المشرق، فالمسيحيون في سوريا كانوا ملحقين بجحافل النظام، ولا أخفيك -والكل يعرف – أن نقاشاً حاداً يدور في لبنان عن الوضع الذي يجب أن يكون عليه الموقف المسيحي، والكل يعرف موقفي شخصياً، حيث استطعت أخذ الكثير من المسيحيين هنا إلى الموقف الذي أعتبره سليماً، تأييد الربيع العربي رغم كل المخاوف المطروحة في إطاره، وبشكل موضوعي أعتقد أن تغيير توازنات القوة في الداخل والعودة لمصادرة المسيحيين في لبنان وخارجه في هذه اللحظة الحرجة، كانا دافعين للفريق الذى حاول اغتيالي.