#dfp #adsense

من راقب الحكيم… مات همّاً!!

حجم الخط

قديماً قيل: "يقتلون القتيل ويمشون في جنازته"، امّا اليوم فـ "يقتلون القتيل… ويُقاطعون الجنازة"!!
صحيح ان استخدام العبارة الأولى كان للتدليل على "خبثٍ" مُعيّن ميّز نمط تعاطي بعض "الجناة" مع ضحاياهم، إلاّ انها كانت، في الوقت عينه، تستبطن حدّاً ادنى من الإحترام للتقاليد الإجتماعية والإنسانية.
اليوم، صار الجناة اكثر وقاحةً… يقتلون القتيل، يُشككّون في أسباب موته، او حتى في موته نفسه، يشمتون به، لا يمشون في جنازته، ويُوزّعون الحلوى في عقر داره.

في اوج "العداوة" بين "القوات اللبنانية" و"الحزب التقدّمي الإشتراكي"، تجاهل وليد جنبلاط إرادة النظام السوري، وأرسل إكليل زهرٍ بإسمه الى بكفيا في يوم وداع قائد "القوات اللبنانية" بشير الجميّل.

الإنتقام الشجاع لا يأتي متأخراً… والسلاح الشجاع لا يكون إلاّ متوازناً، "إنتقامهم" تطّلب التحضير له اشهراً وسنوات، امّا سلاحهم، فرصاصة بمواجهة فكر، وعبوة مقابل قلم.
"سلاح" ضحاياهم اشدّ فتكاً من سلاحهم، الكلمة أمضى من السيف.
مواجهة الكلمة بالتفجير والرصاص، هو سلاح الجبناء، امّا الشماتة فهي أفيون ضعفاء النفوس.
القتل الشجاع هو بدوره، واضحٌ، وعلني، ومباشر.
القتل بمواجهة الرأي ليس من الشجاعة بشيء، فكيف بالحري، إذا اتسّم هذا القتل بطابع الغدّر والسرّية والباطنية، وترافق مع شماتة السحنات الصفراء؟!
لم يخترع الطغاة حتى اليوم سلاسلاً تُقيّد حريّة الفكر، فإمّا ان يقتلوه "بالجسد" او "يقتلهم" هو، بالنفس والروح والكلمة، "الطاغية" المتنوّر نابليون كان السبّاق الى تنبيه انداده: "الغلبة النهائية ستكون للفكر".

ليس سهلاً أن تنقلب الشعوب على تقاليدها، فتتبنّى تقاليداً مختلفة. الأمر يعادل استبدال شعبٍ، بشعبٍ آخر.
تقاليد الشعوب، تحمل من التاريخ، و"الفولكلور"، والعلاقات الإجتماعية، والموروثات الثقافية والدينية، ما يصعب تبديدها…عقيدة "حزب الله" "نخرتها"!
"حزب الله" لم ينجح بتسويق "ثقافته" و"تقاليده" الخاصة-الغريبة، داخل البيئة الشيعية اللبنانية التقليدية فحسب، بل طالت "شظاياها" جزءاً من المجتمع العوني "المسيحي"، بحدّ ذاته.
ثلاثون من الفضّة، زائد سلاحٍ، زائد جرعاتٍ من الحقد والتحريض وبث التفرقة، زائد دعاية هدّامة، وبدل يهوذا، يحصل المسيحيون على يهوذا و"طابش كمان".

عندما تنبّه يهوذا الإسخريوطي الى "جسامة" ما اقترفت يداه، لم يتحمّل وطأة الخيانة، فتناول حبلاً وشنق نفسه… بعض المؤرخين اعتبر ان الاسخريوطي، لم يكن بـ "البشاعة" التي صُوّر بها، بل كان ضحيّة خديعةٍ اوقعه بها بعض الفريّسيين…
حتى يهوذا الإسخريوطي، الذي نَدِم على فعلته بعد ساعات، وجد من يدافع عنه عبر التاريخ.

يهوذا المسيحيين في العصر الحديث لم يندم على جرائمه بعد… ربع قرنٍ مضى وهو يتناول الحبل تلو الآخر، لا ليشنق به نفسه تيمّناً بالإسخريوطي "التائب"، وإنما ليلّفه على أعناق المسيحيين، ثم يدّعي أنهم شنقوا انفسهم بأنفسهم…
يهوذا العصر الحديث، لا يجرؤ على شنق نفسه، خوفاً… ولم يشنق نفسه، ندماً…
كيف لمّن تهيّب الإستشهاد، وآثر الهرب من اشرف الساحات، ان يُميت نفسه شنقاً، بأشنع الميتات…

يهوذا الإسخريوطي ترك "للصلح مطرح" مع التاريخ… يهوذا العصر الحديث، حجز لنفسه مكاناً مؤبّداً، حيث لا يُقرأ التاريخ.
لو اندمج يهوذا الإسخريوطي ببيئة الفريّسيين و"ثقافتهم"، لما شنق نفسه… يهوذا العصر الحديث ذاب بأكلمه في "ثقافةٍ" مغايرة، وأذاب في طريقه جزءاً من اُناسه.

ثمّة من اغتال رفيق الحريري… غالبية اللبنانيين حزنوا، وتضامنوا وانتفضوا، وتظاهروا… وحدها "ثقافة" "حزب الله" نأت بنفسها عن التضامن اللبناني الجامع، لا بل ذهبت حدّ "تشكُّرِ" من قيل، بأنه "القاتل"، الأنانية البشرية حتّمت على المرء ان "ينحاز" دوماً الى نفسه… قاتلاً كان ام مقتولاً…!! "حزب الله" ليس استثناءً!

ثمّة من اغتال ايضاً، جبران تويني، وبيار الجميّل ووليد عيدو، وغيرهم… غالبية اللبنانيين تضامنوا، وانهمرت منهم دموع الحزن… "ثقافة" حزب الله انهمرت منها الدموع ايضاً… لكنها كانت دموع فرحٍ وابتهاجٍ… وحلوى!!

المرّة اليتيمة التي انهمرت فيها دموع الحزن، كانت يوم نجاة سمير جعجع… وإلاّ فلماذا التشكيك، والتوتّر، والتسخيف، والتمنّع عن أداء ابسط الواجبات الإنسانية؟
عندما تنجح محاولة الإغتيال، ترتفع "المعنويات"، تلقائياً… ولكن عندما تُخفِق، "يُستعان" بالتشكيك، والتسخيف، والمقاطعة الإنسانية، والعمليات النفسية، للحّد من هبوطها… الشمولية تُسيطر على حياة الفرد من كل جوانبها، ليس فقط السياسية والإجتماعية والإقتصادية.. وإنما النفسية ايضاً!

العلاقات الإجتماعية والإنسانية بين العائلات اللبنانية المتعددّة، هي رديفةٌ للميثاقية… عندما تسقط الأولى، تلحقها الثانية… لم يأتِ "حزب الله" بالمال والسلاح والرجال فقط، وإنما بمنظومة عيشٍ كاملةٍ مُكتملة، لا عيش لمن يحاول العيش خارجها… حتى ولو كان "ميثاق عيشٍ مُشترك".

إنهاء العلاقات الإجتماعية الإنسانية بين اللبنانيين، اشدّ إيلاماً على الميثاق، من وقع الرصاص "المُهنّدِ".

قد يجد "حزب الله" بعض المبرر لضرب الصيغة، امّا المّس بالميثاق فـ "قصّة كبيرة".
الصيغة هي توزيع الحصص طائفياً داخل النظام… بينما الميثاق، هو علّة وجود الدولة، والنظام.
الحصان الذي اُرسل الى طروادة لم يكن هدفه احتلال المدينة المُحصّنة، وإنما تشريع الأبواب فقط، جيش الإغريق كان ليتكفّل بالإحتلال، من دون مِنّة من الجاسوس سينون ورفاقه المعدودين، المُختبئين داخل الحصان.
"حصان طروادة" المسيحيين المُترهّل، اُوكل اليه ضرب الصيغة فحسب، امّا الميثاق، فإيديولوجية ولاية الفقيه كفيلةٌ بإسقاطه.
هذا نظرياً، امّا عملياً، فالمثالثة بدل صيغة المناصفة، تضمن بمفردها إفراغ لبنان من مسيحييه، واستطراداً، إسقاط الميثاق.
"نُفّذ الأمر سيّد..ي…"!!
"حصان طروادة" المسيحيين نرجسي بامتياز، لا يكتفي بلعب دور "الجاسوس سينون" بل يطمح الى المزيد… يريد أخذ دور جيش الإغريق في طريقه… تحطيم ارقام غينيس لـ "الخيانة"، يفترض الإنتهاء من الصيغة، والمسيحيين، والميثاق، دفعةً واحدة… ومن "دون مِنّةٍ" من "حزب الله"، بينغو!
يقتلون القتيل، ولا يمشون في جنازته… لإنشغالهم بفبركة الأكاذيب، والتشويش على قدسية الشهادة، والمشي في جنازة الوطن.

لا يريدون رشقنا برصاص القنص فحسب، وإنما بالأكاذيب، والفبركات والشتائم ايضاً… امّا نحن، فممنوعٌ علينا إعلان نجاتنا!! رضي القتيل ولم يرضَ القنّاص!
لكي يرتاحوا، كان يتوجّب على سمير جعجع ان يخرج الى الإعلام لـ "يزّف" لهم نبأ نجاح عملية اغتياله، وإلاّ، فلن يُريحوا احداً.
سيلان لعابهم، وعلّو صراخهم هو "الفعل المُنعكس الشَرطي" (Réflexe conditionnel ) لسماعهم دوّي الإغتيال… في مختبرات بافلوف حصل ما يشبه ذلك قبل عشرة عقود.

رمزية "الزهرة" لم تنقذ سمير جعجع بمفردها… "تلهّفهم"، وتسرّعهم، وتوتّرهم، وسيلان لعابهم، واستعجالهم للتخلّص منه، هو من انقذه ايضاً.
من راقب سمير جعجع، كان حتى الأمس القريب، "يأمل خيراً"… امّا اليوم، فقد مات همّاً!
"نهج البلاغة" يحتوي على امثالٍ وحكمٍ بليغةٍ جداً للإمام علي بن ابي طالب:
"ما ضمر الإنسان شيئاً إلاّ ظهر في فلتات لسانه"… حِكمةٌ ابلغُ من الف تحقيق!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل