كتبت صحيفة "المستقبل":
استمرت الأنظار مشدودة إلى الحراك الأميركي الإيراني من مقر رئاسي إلى آخر سياسي، بين لقاءات مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان "الصامتة"، ومحادثات النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا رحيمي "المدوية"، لا سيما إصراره على التأكيد، "أن لدى حكومة الجمهورية الإسلامية عزيمة راسخة في مجال تمتين حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وتقويتها"، حسب ما جاء في البيان الموزع من مكتب ميقاتي، في حين ان من سمع كلام المسؤول الايراني في المؤتمر الصحافي سمع الآتي: "ايران مصممة على أن تحمي وتدعم حكومة الرئيس ميقاتي".
بيدَ أن الأهم هو ما تكشف لـ"المستقبل" من معطيات جديدة حول ما دار في جلسة الحكومة أول من أمس، التي أبلغ فيها وزير الخارجية عدنان منصور، مجلس الوزراء، بأن مسؤولاً سورياً كبيراً بعث برسالة عتب "شديدة اللهجة" على الحكومة، عبر القنوات الديبلوماسية، على خلفية باخرة الأسلحة، إذ أوضحت مصادر وزارية أن "منصور لم يكتفِ بنقل الرسالة، إنما كشف أن السلطات السورية طلبت إجراء تحقيق في قضية الباخرة، والإطلاع على نتائجه فور جهوزه، عملاً بالإتفاقيات اللبنانية السورية والقوانين الدولية".
ليس هذا وحسب، بل تضمنت الرسالة، وفق ما قالت المصادر الوزارية لـ"المستقبل"، "تلميحاً إلى مخاوف من أن تُصبح الحكومة اللبنانية ممراً لإستهداف سوريا"، ما أثار حفيظة وزير الشؤون الإجتماعية وائل أبو فاعور، الذي قال :"لسنا في موضع تلقي العتب والإستياء من أحد، فما يحصل في سوريا من بطش وقتل هو محط الإستياء".
وعلمت "المستقبل" أن وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي استنكر رسالة العتب السورية، وطلب من الرئيس ميقاتي إصدار بيان إستنكار باسم مجلس الوزراء، لكن لا ميقاتي ولا أحد من الوزراء علق على الموضوع. ثم تساءل :"إذا كان المطلوب محاسبة لبنان في قضية باخرة الأسلحة، فنحن نسأل عن التحقيقات الرسمية بشأنها، ولماذا لم تُسلمنا السلطات السورية اللبناني الذي قتل أربعة عسكريين في البقاع؟ وأين التحقيق الذي تم في قضية استشهاد المصور علي شعبان؟"
وكان لافتاً في تلك الجلسة "النقلة النوعية" التي برزت في مواقف ميقاتي حيال الوضع السوري، كما سماها الوزير جبران باسيل الذي أشاد بكلامه في بروكسل، إضافة إلى وزراء "حزب الله" والوزير علي قانصو.
في السياق نفسه، توقفت الأوساط السياسية باهتمام عند رد سفير المملكة العربية السعودية في بيروت علي عواض عسيري، على مزاعم سفير سوريا علي عبد الكريم علي عن "وقوف المملكة ودول خليجية وراء قضية السفينة التي ضبطتها السلطات اللبنانية مؤخراً"، معلناً أنه "لمس من ميقاتي أن حكومته لا تتفق مع تصريحات السفير السوري"، التي لم يستغربها إذا قرأناها في سياق سياسة الهروب التي تمارسها الحكومة السورية في محاولة يائسة لحرف الانتباه عن حقيقة ما يتعرض له الشعب السوري الشقيق"، مؤكداً "أن الذاكرة اللبنانية لا تزال تعي ما مر به لبنان من مآسٍ ومن تسبب به"، في إشارة إلى النظام السوري.
فيلتمان
وبالعودة إلى الزيارات الأميركية والإيرانية، أعلنت السفارة الأميركية في بيروت، أن فيلتمان إختتم زيارته الى لبنان، بسلسلة لقاءات عقدها أمس مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان، رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي، رئيس حزب الكتائب اللبنانية الرئيس أمين الجميل، رئيس مجلس الوزراء الأسبق فؤاد السنيورة، سيادة متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الارثوذكس المطران الياس عودة، وقيادات من قوى 14 آذار.
وفيما جدد فيلتمان "التزام الولايات المتحدة بلبنان مستقر وسيّد ومستقل"، نفت مصادر قصر بعبدا لـ"المستقبل" أن "يكون لقاء سليمان فيلتمان قد تناول الشأن الداخلي اللبناني، أو موضوع الإنتخابات النيابية المقبلة، أو مسألة سلاح حزب الله"، لافتة إلى "فيلتمان أبدة تفهمه لسياسة النأي بالنفس التي ينتهجها لبنان، وأعلن تقديره لكلمة رئيس الجمهورية في قمة بغداد".
وأوضحت أن "اللقاء بين سليمان وفيلتمان تطرق إلى الأوضاع في الشرق الأوسط، في ظل ما يحصل من تطورات، بالإضافة إلى إهتمام الجانب الأميركي بالإستماع إلى رأي رئيس الجمهورية حول تأثير ما يجري من ثورات وإمكانية وصول متشددين إلى السلطة على الأقليات في المنطقة، لا سيما المسيحيين". وعزت الإهتمام الأميركي برأي رئيس الجمهورية إلى "أنه سبق أن حذر من تداعيات هذه الثورات على المسيحيين كما حصل في العراق ومصر، خصوصاً وأن لبنان هو البلد الوحيد الذي يرأس جمهوريته مسيحي".
14 آذار
وكان النائب بطرس حرب أولم في دارته في الحازمية، على شرف فيلتمان، في حضور النواب مروان حماده، دوري شمعون، ميشال فرعون، عاطف مجدلاني، والنواب السابقين فارس سعيد، غطاس خوري وكميل زيادة، في مناسبة جرى خلالها البحث في مواضيع متصلة بالمنطقة، من التطورات المرتقبة في سوريا إلى بدء المحادثات الأميركية الإيرانية عن السلاح النووي الإيراني. كما كانت جولة أفق على الوضع الداخلي اللبناني، لا سيما الوضع الحكومي.
وفي معلومات "المستقبل"، أن فيلتمان طرح في اللقاء مع أفرقاء "14 آذار" اسئلة حول تحضيراتهم للإنتخابات، وتحالفاتهم المرتقبة، وما إذا كان هناك خلافات في ما بينهم حولها أم لا. وعند سؤاله من قبلهم عن الحكومة، رد المسؤول الأميركي :"نحن لا نقرر بقاء الحكومة أو رحيلها، مع العلم أن هذه الحكومة تلتزم بما يطلب منها دولياً، كما حصل في موضوع المحكمة الدولية ومسألة الإهتمام بالنازحين السوريين".
وعلمت "المستقبل" أن أفرقاء "14 آذار"، ركزوا خلال إجتماعهم مع فيلتمان في منزل حرب على ضرورة قيام حكومة حيادية قبل الإنتخابات. كما تطرقوا إلى الوضع السوري، وسط تأكيد أميركي "أن نظام بشار الأسد في حالة الإنهيار، لا بل محكوم بالإنهيار، ولكن في ظل الظروف الدولية، والموقفين الروسي والصيني ستطول المعاناة، طالما أن "الفيتو" وفر نوعاً من المساعدة السياسية للنظام كي يبقى حياً".
لكن مصدراً قيادياً في "14 آذار" قال لـ"المستقبل" إنه استنتج من حركة فيلتمان "أن النظام السوري أصبح جثة، وعادة عندما يكون هناك جثة تُحلق فوقها النسور، إذ أن الحراك الأميركي الإيراني يأتي في إطار الهجوم على ورثة النظام المفتوحة، فيما العرب غائبون"، لافتاً إلى أن "المسألة تقف عند إعلان دفن الجثة، لكن يبدو أن لا مصلحة لإيران بذلك، بينما الولايات المتحدة الأميركية تتريث، في ضوء ما بدأته من مفاوضات مع طهران".