"القتل المتواصل في سوريا لن يحقق مكاسب للنظام ولن يدفع الشعب المحتج الى الاستسلام له ولن يجعل الدول المعنية تتفاهم معه على حساب المطالب المشروعة للسوريين. فالرئيس بشار الأسد يخوض معركة قاسية بل يائسة مع المجتمع الدولي ممثلاً بمجلس الأمن لأنه يواجه مأزقاً حقيقياً وأوضاعاً بالغة الصعوبة والخطورة ليس قادراً على معالجتها، فيحاول المماطلة والتهرب من تطبيق خطة المبعوث الخاص المشترك الدولي – العربي كوفي أنان ويواصل حربه الداخلية منتهكاً التزاماته والقرارين 2042 و2043 ويضع شروطاً على مهمة المراقبين تعرقل انتشارهم وتمركزهم في مواقع ثابتة لنقل حقائق ما يجري الى العالم. فقد أدرك الأسد ان كل بند من بنود خطة أنان فخ له وان مهمة المراقبين تضعفه وتحرجه وتعزز الثورة الشعبية السلمية ضده، كما أدرك ان تفاهم خصومه مع حلفائه الروس والصينيين في مجلس الأمن على ضرورة الانتقال الى مرحلة الحل السياسي للأزمة سيتطلب منه تقديم تنازلات جوهرية من أجل بناء سوريا الجديدة الديموقراطية التي يحكمها نظام مختلف جذرياً عن النظام القائم". هذا ما قاله لنا مسؤول أوروبي معني مباشرة بملف الأزمة السورية.
وأضاف: "ان بقاء الأسد في السلطة حتى الآن ليس انتصاراً في ذاته ولن ينهي الأزمة بل يؤدي الى تفاقمها، والمشكلة الحقيقية التي يواجهها النظام هي انه خسر المعارك الأساسية التي خاضها منذ انطلاق حركة الاحتجاج. أولاً، خسر النظام معركته الداخلية لأنه لم يستطع أن ينتصر على الثورة الشعبية التي تتسع وتتعمق في المجتمع السوري ولم يستطع ضبط الأوضاع واعادة الأمور الى مجراها الطبيعي، بل انه يواجه صدامات وانشقاقات وفوضى أمنية في مناطق عدة وظروفا اقتصادية ومعيشية واجتماعية ومالية بالغة الصعوبة وغير مسبوقة وانقساماً حاداً بين مكونات البلد وطوائفه.
ثانياً، لم يستطع النظام أن يحسم لمصلحته معركته الاقليمية اذ انه خسر دوره في المنطقة وأبعدته المجموعة العربية عن الصف العربي وفرضت عليه اجراءات عدة قاسية وهي تزداد تصميماً على دعم مطالب المعارضين والمحتجين وعلى السعي الى تغيير الأوضاع جذرياً في سوريا بعدما نجحت في تدويل الأزمة ودفع مجلس الأمن الى الاهتمام بها جدياً وتبني خيار الانتقال الى اقامة نظام ديموقراطي تعددي استناداً الى خطة أنان، وتركيا الحليف الاقليمي السابق صارت مركزاً أساسياً للمعارضة السياسية والعسكرية السورية وموقفها المعادي لنظام الأسد يتشدد أكثر فأكثر الى حد التفكير جدياً في طلب تدخل حلف شمال الأطلسي.
ثالثاً، خسر نظام الأسد معركته في الساحة الدولية اذ ان عزلته اتسعت بعدما صارت روسيا والصين تؤيدان ممارسة مجلس الأمن حق التدخل الدولي المشروع في شؤون سوريا مما أدى الى صدور القرارين 2042 و2043 اللذين يدعمان خطة أنان ويمنحان المراقبين الدوليين صلاحية الاشراف على تنفيذ كل بنود هذه الخطة ووقف الاقتتال. ويمهد هذا التطور لصدور قرارات أخرى عن مجلس الأمن تمنع نظام الأسد من أن يتصرف ببلده وشعبه كما يريد".
وشدد المسؤول الأوروبي على "ان الأسد يريد احباط خطة أنان لأنها تشكل خطراً على نظامه وتضع مطالب المحتجين في صلب الجهود الدولية لحل الأزمة وتهدف الى اقامة نظام جديد يستجيب للتطلعات المشروعة للشعب السوري ولهواجسه ويكون نظاماً ديموقراطياً تعددياً يرتكز على المساواة بين المواطنين استناداً الى ما نص عليه القراران 2042 و2043. وسيبذل النظام أقصى جهوده لمنع الوصول الى مرحلة الحل السياسي للأزمة وللتهرب من اطلاق المعتقلين وضمان حرية التظاهر السلمي وايصال المساعدات الانسانية الى جميع المنكوبين والسماح للاعلاميين بالتجول في أرجاء البلد، وهي أمور أساسية نصت عليها خطة أنان. لكن مجلس الأمن لن يرضخ للأسد ولن يتراجع عن تصميمه على حل الأزمة استناداً الى هذه الخطة. واذا انهار الاجماع الدولي في مجلس الأمن فستتحرك الدول الاقليمية والغربية البارزة ذات الامكانات الكبيرة بحرية أوسع وتتخذ اجراءات جديدة متشددة ضد نظام الأسد قد تشمل التفكير جدياً في تبني خيارات عسكرية والعمل على انشاء ممرات انسانية ومناطق آمنة لحماية المدنيين وتقديم مساعدات أكبر للمعارضة من أجل تغيير الأوضاع في سوريا. فالدول الغربية وافقت على التعاون مع روسيا والصين من أجل تغيير نظام الأسد وليس من أجل الحفاظ عليه. ويستطيع هذا النظام مواصلة القتال والمواجهة داخلياً وخارجياً، لكن هذه الاستراتيجية تنهكه أكثر فأكثر ولن تحقق أياً من أهدافه الأساسية ولن تمنع التغيير الجذري في سوريا ".