#adsense

حول النسبية في الانتخابات

حجم الخط

"إذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر"
(عمر بن أبي ربيعة)

بعيداً عن جو المدح والذم ومنطق الاتهامات والمؤامرات، فلا شك ان الجدل الدائر في لبنان حول القانون الاتنخابي ينبع أساساً عند المتنافسين من سعيهم إلى الكسب الانتخابي بغضّ النظر عن الرؤيا الوطنية والاجتماعية والسعي الى السلم الأهلي وصحة التمثيل. ان هذا المنطق لا يشمل فقط الفئات الكبرى المؤسسة اليوم للخلاف السياسي الوطني، بل ينسحب تفصيلاً على كل مكونات هذه الفئات التي تسعى الى الفوز بأكبر عدد من المقاعد في البرلمان ليكون لها وضع وازن في المعادلات السياسية، بالاضافة الى سعيها الطبيعي الى المشاركة في السلطة. لذلك فإن رفض أو ترويج النسبية اليوم لا ينطلق بالأساس من منطق السعي إلى الإصلاح حتى ولو تم تغليف تسويغ الموقف بحلل شعبوية وتضليلية.

ان القوانين الانتخابية في أي وحدة سياسية اجتماعية تصاغ على أساس القوانين التعاقدية المبنية على المعطيات المحلية لكل بلد من البلدان، هذا يعني انه على الرغم من ضرورة المحافظة على القواعد الاساسية للديموقراطية التي تشمل حرية الخيارات الفردية وحق الاعلان والشفافية والمساواة في الحقوق وضمان فهم الناخب لما يقوم به، فإنّ التفاصيل التنفيذية من اعتماد النسبية أو الأكثرية أو أي خليط بينهما، بالاضافة الى التقسيمات الادارية يبقيان مسألتين استنسابيتين.

والواقع هو ان منطق الديموقراطية الكلاسيكي يستند الى غلبة الأكثرية، يعني النظام الأكثري، أما النسبية فهي اضافة محمودة لمنع الاكثرية من الطغيان، مع العلم ان الكثير من الأنظمة المتسلطة تسللت من خلال صناديق الاقتراع الى السلطة في ظل الغوغاء والشعبوية والظروف القاهرة.

يعني ان الهدف الاساسي من طرح النظام النسبي هو منع تسلط الأكثرية وإعطاء الاقليات الفرصة الحاسمة للتعبير عن ذاتها والمشاركة الفاعلة في القرارات ذات الطابع الاستراتيجي والميثاقي. ومن الاجتهادات في هذا المجال فرض منطق الثلثين للتصويت على القرارات المصيرية والدستورية واضافة مجلس شيوخ للمشاركة مع مجلس النواب في القرارات المهمة لضمان عدم استفراد أية أقلية في رسم المستقبل على قياسها.
وكلمة أقليات هنا هي واسعة ومتشعبة المدلول وتشمل مروحة واسعة من الاحتمالات، فقد تكون الاقلية سياسية أو عرقية أو اتنية او دينية او طبقية أو جنسية..

ولو نظرنا بشكل متجرد ومنهجي الى الميثاق الوطني اللبناني لكان جلياً انه نص على النسبية على الاساس الطائفي أولاً، والمذهبي ثانياً. فالمناصفة ومن ضمنها التوزيع الإلزامي للمقاعد البرلمانية على المذاهب هو لضمان مشاركة كل الأقليات اللبنانية بحصة في المؤسسات الحاكمة، والواقع الثاني هو انه انسجاماً مع مقدمة الدستور بخصوص العيش المشترك، فإنّ الميثاق الوطني حدد الدوائر المتوسطة (المحافظات المعدلة) أساساً للانتخابات "على أن تراعى ضرورات العيش المشترك" والمعنى هنا ضرورة ان يمثل النائب شرائح متنوعة من مكونات الشعب اللبناني مهما كانت طائفته، أملاً في أن يؤدي ذلك الى التخفيف من حدة الانقسامات السياسية ذات الخلفية الطائفية، وأن يخفف أيضاً من الخطاب المذهبي التحريضي والمتطرف.

إن هذا المنهج في الميثاق الوطني لم يكن يهدف الى تأييد التقسيم المذهبي، ولو كان كذلك لما نص أيضاً على السعي الى إنشاء مجلس للشيوخ وتأليف لجنة لدراسة كيفية الخروج من الأزمة الطائفية.
ولكن الواقع هو أن هذا النظام أتى ليسكن حالة قائمة ويمنع تفاقم تداعياتها بانتظار الحلول النهائية.

لا شك في أن الشعارات التي طُرحت حول مدح النسبية، من ضمان حقوق الأقليات السياسية، ومنع منطق المحادل، وتجاوز العوائق المذهبية والعشائرية وسلطة المال وغيرها، يمكن أن تدغدغ آمال وأحلام الكثير من أصحاب النيّات الحسنة، لا سيما من يساريي العهود الطوباوية يوم وضعت الحركة الوطنية شعار النسبية لتأمين مشاركة الأحزاب ذات الانتشار الوطني في القرار السياسي، ولكن الشرط الملازم كان لبنان دائرة واحدة، وإلغاء الطائفية السياسية.

ولكن المطلوب اليوم هو وضع قانون انتخابي نسبي فوق القانون النسبي الطائفي مما يزيد في تعقيد العملية الانتخابية في ظل التقسيمات الإدارية المعقدة الهجينة أصلاً، وتقسيمات المقاعد عدداً ومذهباً بطريقة غير متساوية بين الدوائر. يعني أن لكل دائرة انتخابية سيكون هناك قانون خاص بها بناء على عدد النواب وتكوينهم المذهبي.

ولو نظرنا بموضوعية، لتأكدنا أن هذا النظام المطروح اليوم لن يؤدي الى أي هدف من "الأهداف النبيلة" التي طُرحت، لأن المحادل والمذهبية وسلطة المال ستبقى العناوين المهيمنة على نتائج الانتخابات مع بروز عنصر سلبي مهم وجوهري في صحة الانتخابات، هو أن الناخبين سيجدون صعوبة، وربما استحالة، في فهم ما سيكون لصوتهم من تأثير على حظوظ مرشحهم في حال اعتمدت اللوائح المغلقة، أو أي خيار آخر أكثر تعقيداً.

هذا بشكل عام، أما بخصوص هيمنة سلاح الميليشيات على قرار الناس، فإن الواقع يؤكد عدم صحة نتائج أية انتخابات في ظل وجود هذا السلاح، ورغم كل ذلك فقد تمكنت قوى 14 آذار من تحقيق فوز ضعيف في دورتين متلاحقتين (2005 و2009)، أما في حال إجراء الانتخابات بحسب النظام المطروح على أساس النسبية فوق النسبية المذهبية فهو يعني أن الانتخابات ستجرى عملياً على أساس النظام الأكثري في الدوائر التي يهيمن عليها سلاح الميليشيات التي يقودها "حزب الله" حيث لن تُعطى فرصة لأي أقلية سياسية إلا تحت رعايته، أما المناطق الحرّة ذات التنوع السياسي فستطبق عملياً النسبية المطروحة مما يعني أيضاً صيفاً وشتاءً على سطح واحد.

قد يطرح البعض في ظل هذا المنطق أن تطبق النسبية السياسية على أساس الفصل الطائفي والمذهبي (ما سمّي بالقانون الارثوذكسي) ولكن ذلك سيؤدي الى تفاقم الخطاب المتطرّف والمذهبي واحتمال الصدام، ولكنه سيؤدي حتماً الى فيدرالية أو تقسيم على المدى المتوسط، عدا أنه مخالف للدستور الذي أكد مراعاة العيش المشترك.

إن ميثاق الطائف، على الرغم من شوائب كثيرة في تطبيقه وثغر منطقية في بنوده، يبقى اليوم المرجع الصالح بناء على المعطيات القائمة، لذلك فإن اعتماد النسبية المنصوص عليها في الدستور (المناصفة وتوابعها) والدوائر المعدلة المختلطة، هو الخيار الأفضل الى حين الانتقال الى مستقبل لا طائفية فيه. أما إذا أثمر السعي الى تطبيق القانون المطروح فهذا يعني تعديلاً دستورياً ميثاقياً يستدعي أكثرية الثلثين في مجلس النواب.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل