كتبت كريستينا شطح في “الجمهورية”:
ألقت الخلافات الداخليّة والإقليمية المتداخلة حول لبنان بعد الحقبة السوريّة، والتي زادت حدّتها بعد اغتيال شخصيّات سياسية وأمنية وحرب إسرائيل – “حزب الله” في العام 2006، والإرهاب وإعادة عسكرة المجتمع وغيرها، بضغوط هائلة على الجيش اللبناني، لأنّ انسحاب القوّات السوريّة من لبنان في 26 نيسان 2005 أعاد تحديد دور القوّات المسلّحة اللبنانية.
وبالفعل أظهر الجيش اللبناني أنّه من المؤسّسات اللبنانية القليلة في الحقبة ما بعد السورية التي يثق بها قسم كبير من المجتمع اللبناني من مختلف الانتماءات، غير أنّ تطوّر قوّته في مرحلة 2005-2011 لا يعكس دوره المؤسّس الذي يزداد أهمّية في الأمن اللبناني والاقليمي.
وانطلاقاً من هذا الواقع ترى أوساط ديبلوماسية رفيعة أنّ الجيش اللبناني أصبح أوسع تمثيلاً وأكثر توازناً وقدرةً كقوّة قتاليّة، فضلاً عن ذلك لولا الجيش اللبناني لما تمكّن لبنان من تجاوز اضطرابات الحقبة ما بعد السورية، علاوةً على ذلك استطاع الجيش اللبناني أن يضبط الاستقرار حتى الآن في ظلّ الاضطربات الأمنية في كافّة المناطق اللبنانية، وإذا أراد الجيش اللبناني أن يرسّخ موقعه كضامن للبنان وقوّة إيجابية في المنطقة يجب بذل جهود جدّية للإفادة من الفرصة الحاليّة والفريدة لتطوير القوّات المسلّحة اللبنانية كقوّة قتاليّة، وهذا الأمر يتطلّب في الطليعة ابتعاد القوى السياسية المتنازعة والتي تحاول السيطرة على الجيش أو أخذه باتّجاه معيّن تقويضاً لفاعليته كقوّة قتالية وكمؤسّسة وطنية. ومن هنا يجب أن تتوقّف هذه المحاولات من أجل الحفاظ على وحدة القوّات المسلّحة اللبنانية ودورها كصمام أمان للاستقرار في البلاد والمنطقة.
وترى الأوساط الديبلوماسية عينها ضرورة أن تتحرّك الحكومة اللبنانية بسرعة كي تؤمّن للجيش مبلغ المليار دولار تقريباً لتطوير قوّته، ويمكن تحقيق ذلك من خلال تحديد الإنفاق الوطني على الدفاع بأربعة الى خمسة بالمئة من إجمالي الناتج المحلّي لمرحلة تمتدّ على ثلاث سنوات من أجل تطبيق خطّة محدثة لتطوير القوّة مستندةً الى خطّة 2006.
وأيّ محاولة لتعزيز الجيش اللبناني كي يتمكّن من محاربة أيّ طائفة في لبنان سوف تُمنى بالفشل، لأنّ الجيش اللبناني يحوي كلّ الطوائف، وبما أنّ الجيش انعكاس لمجتمعه لا يمكن توجيه الأوامر إليه كي يتحرّك عسكريّاً ضدّ هذه الطائفة أو تلك.
وتؤكّد الأوساط الديبلوماسية أنّ المطلوب اليوم من الولايات المتحدة الأميركية تعزيز الجيش اللبناني ليكون رادعاً في وجه البلدان المجاورة للبنان، ويقوّض منطق “حزب الله” فيما يتعلّق بترسانته العسكرية، لذلك يتعيّن على الولايات المتحدّة أن تركّز على مساعدة الجيش اللبناني في إرساء أسُس نزع سلاح “حزب الله” في المدى المتوسّط الى الطويل بدلاً من المواجهة الشاملة في المدى القصير.
وتشير الأوساط الى أنّ “السياسة الأميركية حيال الجيش اللبناني غير واضحة وتضرّ بالجهود الأميركية الهادفة الى تعزيزه ليكون قوّة إيجابية في لبنان والمنطقة، ومن هنا يجب إعادة النظر في هذه الالتباسات في السياسة، وينبغي على الولايات المتّحدة أن تحدّد بوضوح ما إذا كانت ستزوّد الجيش اللبناني المنظومات القتالية الثقيلة التي يحتاج اليها لتطوير قوّته.
كما يجب أن تنظر الولايات المتّحدة في اعتماد آليّات لإصلاح المبيعات العسكرية الخارجية والتمويل العسكري الأجنبي من أجل تسريع تسليم المعدّات الى لبنان، كما يمكنها أن تخصّص أموالاً إضافية يوافق عليها الكونغرس الأميركي للجيش اللبناني كي يستعملها في حيازة معدّات عسكرية من حلفاء الولايات المتحدة، إذ إنّه من شأن خطوات مماثلة أن تؤثّر إيجاباً في المدّة المطلوبة لحصول الجيش اللبناني على المنظومات الجديدة مع تخفيف العبء على المجهود الأميركي لتسليح القوى الأمنية الأفغانيّة أو العراقية.