كتب طارق ترشيشي في الجمهورية:
تتنوّع المواقف والآراء إزاء قانون الانتخاب العتيد، في ظلّ هاجس يسكن الجميع من احتمال عدم حصول استحقاق انتخابات 2013 في موعده بفعل الأحداث والتطوّرات التي تشهدها سوريا خصوصاً، والمنطقة العربية عموماً، وما يمكن أن تتركه من انعكاسات على لبنان المنقسم بين فريق مؤيّد للنظام السوري، وآخر مؤيّد للمعارضة.
إلّا أنّ ثمّة إجماعاً لدى مراجع رسمية وقيادات سياسية بارزة على عدم جواز تأجيل الاستحقاق الانتخابي لما يشكّله هذا التأجيل من خطر على مستقبل لبنان في خضمّ المتغيّرات العربية القائمة، لأنّ المطلوب من الانتخابات النيابيّة والمعوّل عليها، هو إحداث نقلة نوعية في الحياة السياسية اللبنانية في اتّجاه إخراج البلاد من الاصطفافات الحادّة عبر إنتاج مجلس نوّاب جديد يؤسّس لسلطة جديدة. لكنّ هذا الإجماع يترافق مع الانقسام السائد حول ما يمكن أن يكون عليه قانون الانتخاب الجديد بين مؤيّد للنسبيّة مقرونةً باعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة، أو المحافظة كدائرة انتخابية، وبين معارض هذه النسبيّة ومحبّذ اعتماد الدوائر الصغرى أو الفرديّة وصولاً الى الإبقاء على قانون 1960 النافذ، والذي أُجريت انتخابات 2009 على أساسه.
وفي ظلّ هذا الواقع يطرح البعض سؤالاً كبيراً عن الأسباب الكامنة وراء إصرار أفرقاء سياسيّين، في صفوف الأكثرية والمعارضة على الإبقاء على قانون 1960، وهل إنّ هذا الاصرار يستبطن إلغاء اتفاق الطائف الذي يقضي باعتماد المحافظة دائرة انتخابية واحدة بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري؟
وفي هذا السياق، يقول قطب أكثري إنّ اعتماد قانون 1960 عام 2009، التزاماً لموجبات "اتّفاق الدوحة" الشهير، كان استثناءً والغاية منه إخراج البلاد من أزمة خطيرة كانت تعصف بها، ولم تتّفق القيادات السياسية الكبرى التي شاركت في مؤتمر الدوحة عام 2008 على أن يكون هذا القانون قاعدة، لأنّ هذه القيادات كانت تدرك أنّه يُشكّل خروجاً على "اتفاق الطائف"، وعودة بلبنان 60 سنة إلى الوراء، حسبما يردّد رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي دائماً، من دون أن ننسى كلمة الرئيس سليم الحص الشهيرة بأنّ قانون القضاء (اي اعتماد القضاء دائرة انتخابية واحدة حسب قانون 1960) هو "قضاء على لبنان".
ويضيف هذا القطب أنّ هذا الاستثناء كان لمرّة واحدة، وقد فرضته الحاجة الى إخراج البلاد من الأزمة الخطيرة التي تعيشها، ولكنّ تكرار هذا الاستثناء لا يمكن الاستمرار به الآن مجدّداً، لأنّه ينسف "اتّفاق الطائف" الذي ينادي الجميع في فريقَي 8 و14 آذار بتطبيقه، أو باستكمال تطبيقه. ولذا فإنّ الجميع الآن على المحكّ في هذا الموقف، فإذا كانوا جادّين في التمسّك بتطبيق "الطائف" فإنّ الأجدى بهم أن يستعجلوا الخطى للاتّفاق على قانون انتخابيّ وفق ما نصّ عليه الطائف، وإلّا فسيكون وراء الأكمّة ما وراءها. وعندها ستُطرح تساؤلات كثيرة عمّا إذا كانت دعوات البعض إلى تعديل صلاحيّات رئيس الجمهورية وغيرها تستبطن رغبة في الإبقاء على قانون الـ 1960 الذي أعاد البلاد انتخابيّاً إلى ما كانت عليه قبل "الطائف"، فيما يقول البعض أنّ هذا القانون "كان من أبرز الأسباب التي أدّت إلى الحرب الأهلية التي عاشتها البلاد لمدة 17 عاماً بين العامين 1975 و1991، وسقط فيها نحو مئتا ألف قتيل".
ويتوقّف هذا القطب الاكثريّ عند دعوة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي إلى "عقد اجتماعي جديد"، ويتساءل هل إنّ هذه الدعوة البطريركية يقصد بها أيضاً دعوة إلى اتّفاق بديل لاتّفاق الطائف، في موسم إصرار البعض على الإبقاء على قانون الستّين؟ علماً أنّ رئيس "جبهة النضال الوطني"، النائب وليد جنبلاط، الذي يرفض النسبيّة ويعتبرها "جرّافة انتخابية تنهي الوسطية"، ويتمسّك بهذا القانون، كان سبق البطريرك الراعي بالدعوة إلى عقد اجتماعيّ جديد، ونادى بـ"إتّفاق طائف بين الشيعة والسنّة" قبل أن يتراجع عن ذلك لاحقاً، مُبقياً على رفضه النسبية.
ولذلك يرى القطب الأكثري أنّه في ظلّ الفسيفساء السياسية والطائفية والمذهبية الهشّة التي يتكوّن منها البلد، قد يكون من الصعب إقرار قانون انتخابيّ يرضي جميع المكوّنات اللبنانية السياسية والطائفية، ولكن في الإمكان إيجاد قانون يدفع البلاد الى آفاق رحبة لتطوير الحياة السياسية انطلاقاً من اتّفاق الطائف الذي أريدَ منه أن يكون بداية الانطلاق الى بناء دولة عصريّة، بحيث يتمّ تطويره نحو الأفضل وليس الانقلاب عليه، أو التخلّي عنه بالعودة الى قوانين انتخابية كقانون الستّين الذي كان له زمانه، حسب ما يقول رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان المؤيّد للنسبية.
بين القوى السياسية من يحبّذ فعلاً إقرار قانون انتخابي جديد، ولكن بينها أيضاً من يعمل ليل نهار للإبقاء على القانون الحاليّ، أفلا يستحق الاستحقاق الانتخابي المقبل مؤتمراً لحوار وطنيّ يُنتج قانون انتخاب يستلهم روحيّة اتّفاق الطائف الذي يؤكّد الجميع تمسكّهم به؟ أم أنّ البلاد ستصل في ظلّ الخلافات والمماحكات الى ربع الساعة الاخير قبل حلول موعد الانتخاب، فيُلجأ الى قانون الـ 60 مخرجاً لا بدّ منه، بذريعة تعذّر الاتّفاق على قانون بديل؟
ثمّة خوف جدّي لدى كثيرين من الوصول الى هذه "الزنقة"، فإذا تكرّرت فإنّها ستعيد لبنان "معجّلاً و مكرّراً" 120 سنة إلى الوراء؟!!!