#dfp #adsense

لبنان تحت مظلة واقية بقرار دولي وعربي وإقليمي

حجم الخط

لبنان، محظوظ في زمن "الربيع العربي". 14 شهراً مرت على الثورة في سوريا، ولم يلحقه، سوى بعض "القذائف" الكلامية. كان الخوف كبيراً من ان تحرقه حمم الثورة، خصوصاً قذائف النظام الاسدي. من لا يخاف على شعبه ويقصفه بالمدفعية الثقيلة، لا شيء يردعه عن ضرب جار له مثل لبنان لا يماشيه ولا يتبنى مقولة المؤامرة الكونية ضده المترجمة بهجمة غير مسبوقة من "القاعدة". يتناسى هذا النظام، انه هو احد ابرز وأبرع "طباخي" سمّ "القاعدة" ضد العراق وحتى في لبنان تحت تسميات مختلفة. القاعدة العامة تقول: "ان طابخ السم آكله". كربلائية النظام الاسدي عن هجمة "القاعدة" لم تعد تقنع احداً حتى ولو حصلت اختراقات معينة. طلاب جامعة حلب الذين قفزوا من الطوابق العليا لانقاذ أنفسهم من "الشبيحة" ليسوا بالتأكيد من "القاعدة". يجوز للنظام الاسدي ما يجوز لكل الديكتاتوريات عبر التاريخ. زائد استنباطات وتطبيقات خارجة من خيال مريض، وليد حالة تملكية لارث استثنائي.

وقائع عديدة تؤكد ان هذا الحظ ليس مجرد حظ، إنه اكثر من ذلك. انه وليد قرار دولي واقليمي وعربي. لبنان تحت مظلة واقية حتى الآن وربما الى فترة طويلة، طالما لم يقع محظور ما، من نوع الحرب الشاملة او الجنون الكامل. من بين هذه الوقائع، تقاطع زيارتي الوفدين الاميركي والايراني. الوفدان مهمان جداً. الايراني برئاسة النائب الاول لرئيس الجمهورية محمد رضا رحيمي يرافقه 15 وزيراً ونائب وزير ومدير عام والاميركي برئاسة الخبير الكبير بالملف اللبناني جيفري فيلتمان. لو كان لبنان خارج المظلة الواقية المرسومة والمنفذة بدقة، كانت مثل هاتين الزيارتين قد وضعتاه بين "حجري الرحى وطحنته". ما حصل ان كل وفد قال ما عنده، محترماً الاشارات الحمراء. طبعاً، لا يجب التغافل عن "الرسائل" التي وجهها كل وفد للوفد الآخر.

البداية من الجانب الايراني. طهران تستعد بتصميم لجولة بغداد التفاوضية في 23 الشهر الجاري.. تعتبر القيادة الايرانية، انها حققت مكاسب ايجابية وعديدة في جولة اسطمبول. نقل المفاوضات الى بغداد كما طلبت، يعني برأيها الخروج من ارض مليئة بالالغام الى ارض حليفة لها. انقرة تحولت الى خصم لطهران بعد ان اسقطت الاخيرة على ملفها النووي ظلال التوتر معها بسبب الملف السوري. الايرانيون يريدون التوصل الى اتفاق مع مجموعة "الخمسة زائد واحد" على ارضية الاقتراح الروسي الذي يقوم على تسوية الملف النووي خطوة خطوة، اي كل تجاوب ايراني مع مطالب واشنطن تحديداً يتم رفع العقوبات تدريجياً. طهران بدأت تنزعج اقتصادياً خصوصاً وان مفاعيل العقوبات وارتداداتها تنعكس على يوميات الايرانيين العاديين.

ايران تطلب الكثير، وتريد ان تقدم اقل ما تملكه. مثل هذا الهدف يتطلب الكثير من المناورات و"عرض العضلات". لذلك عمدت طهران الى التصعيد على ثلاث جبهات:
* افتعلت القيادة الايرانية تفجير الملف الساكن للجزر الثلاث، مع قيام الرئيس احمدي نجاد بزيارة جزيرة ابو موسى، وما تبعها من "تسونامي" التصريحات المؤيدة لها على مختلف المستويات والاتجاهات. سكون عاصفة اقفال مضيق هرمز في "فنجان" الانتخابات التشريعية، دون نتائج تذكر عجّل بإشعال ملف الجزر، طهران ارادت تذكير واشنطن بانها موجودة على الحدود في الخليج مع مضيق هرمز او من دونه.

* طرح محمد رضا رحيمي نائب الرئيس الايراني من بغداد مسألة اتحاد ايران والعراق، كان ايضاً نوعاً من قرع الجرس لتذكير واشنطن بأنها تمسك بالعراق وبه تحارب على عدة جبهات أهمها المحافظة على النظام الاسدي في دمشق. في جميع الأحوال، ملف نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي فُتِح، والتطورات في سوريا ستعصف به.

* زيارة رحيمي للبنان وطرح الوفد الايراني مشاريع واتفاقات مغرية جداً، لتشكل "طعماً" لاصطياد اختراق القطاع المصرفي والالتفاف على المقاطعة المالية من جهة ولتذكير العرب والغرب من جهة أخرى، انها تملك جزءاً اساسياً من سلطة القرار في لبنان.

لكن بعيداً عن الخطابات والوعود، لا يبدو لبنان مستعداً للانزلاق في مسار ايراني، يهدد نظامه المصرفي كله، خصوصاً وان القرار الأميركي الغربي في هذا المجال لا يمكن خرقه ولا التلاعب عليه. التجربة علمت الجميع، ان للذكاء اللبناني في اللعب على الحبال، حدوداً. لا شك ان لسياسة "النأي بالنفس" ايجابيات لا يمكن التنكر لها. أيضاً موازين القوى خاضعة للتحولات في سوريا. الانتخابات التشريعية القادمة ستبلور هذه الموازين.

اميركياً، السفارة الاميركية في بغداد كفيلة بملاحقة توجهات رئيس الوزراء نوري المالكي، لو لم تكن واشنطن راضية عن بعض مساراته لم تجاوز القطوعات التي مر بها ولا قيل له سنبقى لكن لن يجدد لك. جيفري فيلتمان سارع لزيارة لبنان بتوقيت مدروس، ليؤكد ان انفراد ايران بلبنان ممنوع وغير ممكن، وأن اللعبة مفتوحة على كل المسارات، خصوصاً وان الثورة في سوريا تتقدم والنظام الاسدي يتراجع.

ساعة الحسم لم تدق بعد. مشكلة اللبنانيين ان الآخرين يعتبرون الوقت "جنرالاً" في خدمتهم او "سيفاً" يقطعون به المراحل. اللبنانيون يتعاملون مع الوقت بأنه "كفيل" ممتاز قادر التلاعب عليه. المهم ان يستمر السلام الاهلي ولو بارداً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل